معنى {عَلاَ} من العلو، والمستعلَى عليه هم رعيته، بل علا على وزرائه والخاصة من رعيته، وعلا حتى على الله عز وجل فادَّعى الألوهية، وهذا منتهى الاستعلاء، والطغيان والتكبُّر، وما دامت عنده هذه الصفات وهو بشر فلا بُدَّ أنْ يستخدمها في إذلال رعيته.
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} جمع شيعة، وهي الطائفة التي لها استقلالها الخاص، والمفروض في المُمَلَّك أنْ يُسوِّي بين رعيته، فلا تأخذ طبقة أو جماعة حظوه عن الأخرى، أما فرعون فقد جعل الناس طوائف، ثم يسلِّط بعضها على بعض، ويُسخِّر بعضها لبعض.
ولا شكَّ أن جَعْل الأمة الواحدة عدة طوائف له مَلْحظ عند الفاعل، فمن مصلحته أن يزرع الخلاف بين هذه الطوائف ويشغل بعضها ببعض، فلا تستقر بينهم الأمور، ولا يتفرغون للتفكير فيما يقلقه ويهزّ عرشه من تحته، فيظل هو مطلوبًا من الجميع.
حين نقول ذكر الله يصح أن يكون المعنى: ذِكْر صادر من الله، أو ذِكْر صادر من العبد لله.
فإنْ قلتَ: ذِكْر صادر من الله لمن ذكره في صلاته، فحين يصلي الإنسان ويذكر ويُنزِّهه ويسجد له سبحانه ويخضع، فقد ذكر الله ذِكْرًا بالقول والفعل، فيجازيه الله تعالى بأن يذكره، ولا شكَّ أن ذكر الله للعبد أكبر وأعظم من ذِكْر العبد له سبحانه؛ لأن العبد يذكر الله منذ بلوغه إلى موته، أما هو سبحانه فسيعطيك بذكرك له منازل عالية لا نهايةَ لها، فيكون ذِكر الله لك بالثواب والرحمة أكبر من ذِكْركَ له بالطاعة.
المعنى الآخر أن يكون الذكْر صادرًا من العبد لله، يعني: ولذكْر الله خارج الصلاة أكبر من ذِكْر الله في الصلاة، كيف؟ قالوا: لأنك في الصلاة تُعِد نفسك لها بالوضوء، وتتهيأ لها لتكون في حضرة ربك بعد تكبيرة الإحرام، فإذا ما انتهتْ الصلاة وخرجتَ منها إلى حركة الحياة فذِكْرك لله وأنت بعيد عن حضرته وأنت مشغول بحركة حياتك أعظم وأكبر من ذِكْرك في الحضرة.
ومثال ذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - مَنْ يمدح الأمير ويُثني عليه في حضرته، ومَنْ يمدحه في غيبته، فأيُّهما أحلى، وأيُّهما أبلغ وأصدق في الذكْر؟
واقرأ في ذلك قوله تعالى عن صلاة الجمعة: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ... } الجمعة 9 يعني: ذِكْر الله في الصلاة، ولا تظنوا أن الذكْر قاصر على الصلاة فقط إنما: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الجمعة 10