فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 669

"فإن قيل: الغضب جبلة في الآدمي فكيف يؤمر بصرفها؟ فالجواب: أن الغضب له جوالبه وثمرات، فمن جوالبه الكبر، فإذا راض الإنسان نفسه باستعمال التواضع ذلت، ومن ثمرات الغضب السب والضرب وما يعود بثلب دين الغضبان وبدنه قبل أذى المغضوب عليه، فإن بعض الناس استشاط يوما من الغضب فصاح، فنفث الدم وأداه ذلك إلى السل، وضرب رجل رجلا على فمه فانكسرت أصابع الضارب ولم يكبر أذى المضروب، وقد أثر غضب خلق كثير في بطشهم بأولادهم وأهاليهم وتطليق زوجاتهم، ثم طالت ندامتهم وفات الاستدراك، فقد روينا في الحديث:"أن الله تعالى يقول: يا ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق" (20) فكأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن جوالب الغضب وثمراته ومساكنته، وقد أمر بمداواته إذا عرض، فقال في حديث أبي ذر:"

"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإذا ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع".

وهذا لأن القائم متهيء للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما، وإنما أمره بذلك لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده ما يندم عليه فيما بعد، وقد قال الأحنف بن قيس: ما اعترض التثبت في الغضب إلا قهر سلطان العجلة، وقال بعض الحكماء: أول الغضب جنون وآخره ندم"."

وقال ابن بطال 9/ 295 - عند شرحه حديث (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب) :

"دل هذا أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، لأن النبي عليه السلام جعل للذي يملك نفسه عند الغضب من القوة والشدة ما ليس للذي يغلب الناس ويصرعهم".

قال الحافظ:

"وقال ابن التين: جمع صلى الله عليه وسلم في قوله (لا تغضب) خير الدنيا والآخرة، لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين."

20 -قال في"كنز العمال"3/ 523:

"ابن شاهين عن ابن عباس وفيه عثمان بن عطاء الخراساني ضعفوه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت