قال ابن بطال في"شرح البخاري"10/ 199:
"هذا حديث شريف بيّن فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مقدار تفضل الله على عباده بأن جعل هموم العبد بالحسنة، وإن لم يعملها حسنة، وجعل همومه بالسيئة إن لم يعملها حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، وإن عمل الحسنة كتبت عشرا، ولولا هذا التفضل العظيم لم يدخل أحد الجنة، لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات، فلطف الله بعباده بأن ضاعف لهم الحسنات، ولم يضاعف عليهم السيئات، وإنما جعل الهموم بالحسنة حسنة، لأن الهموم بالخير هو فعل القلب بعقد النية على ذلك."
فإن قيل: فكان ينبغي على هذا القول أن يكتب لمن هم بالشر ولم يعمله سيئة، لأن الهموم بالشر عمل من أعمال القلب للشر.
قيل: ليس كما توهمت، ومن كف عن فعل الشر فقد نسخ اعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه المريد للشر، فذلك عمل للقلب من أعمال الخير، فجوزي على ذلك بحسنة، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: (على كل مسلم صدقة. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنه صدقة) ذكره - يعني البخاري - في كتاب الأدب في باب كل معروف صدقة.
وحديث ابن عباس معناه الخصوص لمن هم بسيئة، فتركها لوجه الله تعالى وأما من تركها مكرها على تركها بأن يحال بينه وبينها، فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى الحديث.
قال الطبري: وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من يقول: إن الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة وتعلم اعتقاده لذلك، ورد مقالة من زعم أن الحفظة، إنما تكتب ما ظهر من عمل العبد وسمع، واحتجوا بما روى ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: