وهذا الحديث متواتر فقد جاء من حديث أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وأوس بن أبي أوس، والنعمان بن بشير، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وجرير، وسهل بن سعد، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وطارق بن أشيم، وأبي بكرة، وسمرة بن جندب، وعياض الأنصاري، وعبادة بن قرص الليثي، ومسلم التميمي، وعقبة بن مالك الليثي، وعمران بن حصين رضي الله عنهم أجمعين.
قوله (أمرت) مبني لما لم يسم فاعله، وحذف فاعله للعلم به، أي: أمرني الله تعالى، لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله تعالى، والأمر له أمر لجميع أمته إلا ما قام الدليل على اختصاصه به، وفائدة توجيه الخطاب إليه أنه الداعي إلى الله تعالى، والمبين عنه معنى ما أراد، وعلى هذا جاء قوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ، فافتتح الخطاب باسمه خصوصا ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عموما، (أقاتل الناس) أي: الذين لا يشهدون لله بالوحدانية، ولا لنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة.
ويُستثنى من عموم مقاتلة الناس أهل الكتاب، فهم مخصوصون بضرب الجزية بدلا عن دمائهم وأموالهم لدلالة الكتاب والسنة.
قال ابن الأثير في"الشافي"5/ 142:
"دماء المشركين وأموالهم مباحة إلى أن يسلموا، وهذا الخطاب متعلق بهم لأنهم كانوا يشركون مع الله غيره ولا يقولون: لا إله إلا الله بخلاف أهل الكتاب كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولذلك لا يمنع من المشركين بجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، والنصارى من أهل الكتاب وإن قالوا: لا إله إلا الله فإنهم يقولون بالابن وروح القدس وينقضون ما يقولونه بوجه من المشاركة إذا حوققوا فيها ظهر تهافتها وتلاشيها، وكذلك طائفة من اليهود وإن قالوا كلمة التوحيد فإنهم قالوا: عزيرٌ ابن الله، وهم فيه أضعف حجة وأخسر قولًا وفعلًا".