قوله (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب) كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال: {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} ، وقال: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ، ولكنه كان لا يديم وعظهم، بل يتخولهم به أحيانا كما في"الصحيحين"عن أبي وائل، قال:"كان عبد الله بن مسعود يذكرنا كل يوم خميس، فقال له رجل:"
يا أبا عبد الرحمن، إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهة أن أملكم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا"."
والبلاغة في الموعظة مستحسنة، لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها، والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع، وأوقعها في القلوب.
وكان صلى الله عليه وسلم يقصر خطبتها، ولا يطيلها، بل كان يبلغ ويوجز.
وفي"صحيح مسلم"عن جابر بن سمرة قال:"كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا".
وخرجه أبو داود - (1107) وغيره وهو حديث حسن - ولفظه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هو كلمات يسيرات".
وخرج مسلم من حديث أبي وائل قال:"خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل، قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"
إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، فإن من البيان سحرا"."