فهرس الكتاب
وفي"صحيح مسلم"من حديث أبي سعيد:"أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة".
وقد قال سبحانه لما قال: {ولا يغتب بعضكم بعضا} - والاغتياب من ظلم الأعراض - قال: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} ، فقد نبههم على التوبة من الاغتياب وهو من الظلم، وفي الحديث الصحيح:
"من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات، فإن كان له حسنات، وإلا أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم يلقى في النار"أو كما قال.
وهذا فيما علمه المظلوم من العوض، فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك فقد قيل: من شرط توبته إعلامه، وقيل: لا يشترط ذلك وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد، لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يهدي إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه.
قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته.
وأما الذنوب التي يطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة مثل قول أكثرهم: لا تقبل توبة الزنديق وهو المنافق وقولهم: إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه تسقط عنه حدود الله، وكذلك قول كثير منهم أو أكثرهم في سائر الجرائم كما هو أحد قولي الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد وقولهم في هؤلاء: إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام لم تقبل توبتهم.
فهذا إنما يريدون به رفع العقوبة المشروعة عنهم أي: لا تقبل توبتهم بحيث يخلى بلا عقوبة بل يعاقب: إما لأن توبته غير معلومة الصحة بل يظن به الكذب فيها.
وإما لأن رفع العقوبة بذلك يفضي إلى انتهاك المحارم وسد باب العقوبة على الجرائم.