فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 669

والمسلك الثاني: أن يذكر من أدلة الشرع العامة ما يدل على أن ما لم يوجبه الشرع، ولم يحرمه، فإنه معفو عنه، كحديث أبي ثعلبة هذا وما في معناه من الأحاديث المذكورة معه، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أفي كل عام؟ فقال:"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم"- أخرجه مسلم (1337) وغيره - ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص:"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته"- أخرجه البخاري (7289) ، ومسلم (2358) وغيرهما - وقد دل القرآن على مثل هذا أيضا في مواضع، كقوله عز وجل: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} ، فإن هذا يدل على أن ما لم يجد تحريمه، فليس بمحرم، وكذلك قوله: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} ، فعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه، معللا بأنه قد بين لهم الحرام، وهذا ليس منه، فدل على أن الأشياء على الإباحة، وإلا لما ألحق اللوم بمن امتنع من الأكل مما لم ينص له على حله بمجرد كونه لم ينص على تحريمه.

واعلم أن هذه المسألة غير مسألة حكم الأعيان قبل ورود الشرع: هل هو الحظر أو الإباحة، أو لا حكم فيها؟ فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بعد وروده فقد دلت هذه النصوص وأشباهها على أن حكم ذلك الأصل زال واستقر أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلطوا من سوى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدا"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت