فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 669

فإذا كان المسلم سالكا لطريق الاستقامة، فلا يغرره كثرة المنحرفين عنه، وعلى المؤمن أن يكون حريصا على قلة مخالطة من كان قليل الورع، ضعيف الديانة، فيسلم بدينه الذي هو رأس ماله، فمن فرط فيه وعرضه للفتن فقد خاب وخسر، ومن حافظ عليه واعتنى به فقد أفلح ونجح، ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:"اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر"رواه مسلم (2720) من حديث أبي هريرة.

قال الْمُناوي في"فيض القدير"2/ 173: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإن من فسد دينه فسدت جميع أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة ولا يفهم مما سبق أن مخالطة الناس عودة للمذمومة بالجملة، أو أن الأصل هو اعتزال الناس ومجانبتهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم"حديث صحيح - أخرجه أحمد 2/ 43، والترمذي (2507) ، وغيرهما.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة فإنه كان يخالط الناس ولا يحتجب عنهم، وإنما الضابط في هذه المسألة: أن يعتزل المرء مجالسة من يضره في دينه، ويشغله عن آخرته، بخلاف من كانت مجالسته ذكرا لله تعالى، وتذكيرا بالآخرة، وتوجيها إلى ما ينفع في الدنيا والآخرة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (كأنك غريب، أو عابر سبيل) ، ففي هذه العبارة ترق بحال المؤمن من حال الغريب إلى حال عابر السبيل، فعابر السبيل: لا يأخذ من الزاد سوى ما يكفيه مؤونة الرحلة، ويعينه على مواصلة السفر، لا يقر له قرار، ولا يشغله شيء عن مواصلة السفر، حتى يصل إلى أرضه ووطنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت