والمعنى الآخر: تنبيه وإرشاد في الرجوع إلى الله تعالى، والإقبال على الله، وأنه أسير القدرة سليب القبضة، وأن أفعاله تبع لفعل الله به، وأنها إنما تكون بالله تعالى، فيكون العبد مأخوذا عن أوصافه، ومصروفا عن نظره إلى أفعاله معترفا بعجزه، مقرا باضطراره، عالما بضرورته وافتقاره، كأنه صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما تكون الآخرة همه من جعل الله الغنى في قلبه وجمع له شمله، لأنه لا يقبل على الآخرة إلا من استغنى عن الدنيا، فإن الدنيا حجاب الآخرة فإذا رفع الحجاب عن بصر القلب رأى الآخرة بعين إيقانه، ومن نظر إلى الآخرة شغل عن الدنيا، صارت مرفوعة منه متروكة عنه، قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فكأني أنظر إلى أهل الجنة، إلى آخر الحديث.
فمن أغناه الله تعالى عن الدنيا بالزهد فيها، والرغبة عنها صارت الآخرة همه، لأن الإنسان حريص، والنفس راغبة، إما ترغب إلى الدنيا أو إلى الآخرة، فإذا حجبت عن الدنيا بالعزوف عنها، والاستغناء منها افتقرت إلى الآخرة، ورغبت فيها.
قيل لعمر بن عبد العزيز لما أفضت الخلافة إليه: قد زهدت في الدنيا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أنفسنا تواقة تاقت إلى الدنيا، فلما أصابتها تاقت إلى الآخرة"."
وقال ابن رجب:
"وأما وصية ابن عمر فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل، وإن الإنسان إذا أمسي لم ينتظر الصباح، وإذا أصبح لم ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدرك قبل ذلك، وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا."