فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 669

قوله (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) إن عابر السبيل أكمل زهدا من الغريب، لأن عابر السبيل لا قرار له ولا استيطان فهو مستمر في سفره حتى يبلغ منزله ووطنه، والغريب يجلس ويسكن، لكنه مستوحش من مقامه.

ولقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبيّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من أجل أن يستحضر ما يقوله، وليسترعي بذلك انتباهه، ويجمع إليه فكره، ويشعره بأهمية ما سيقوله له، فانسابت تلك الكلمات إلى روحه مباشرة"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".

وهذا من مخاطبة الفرد وإرادة الجمع، فإن هذا لا يخص ابن عمر رضي الله عنهما، بل يعم جميع الأمة.

وانظر كيف شبّه النبي صلى الله عليه وسلم مقام المؤمن في الدنيا بحال الغريب، فإنك لا تجد في الغريب ركونا إلى الأرض التي حل فيها أو أُنسا بأهلها، ولكنه مستوحش من مقامه، دائم القلق، لم يشغل نفسه بدنيا الناس، بل اكتفى منها بالشيء اليسير الذي يتبلّغ به إلى وطنه الأصلي، ولقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم غربة المؤمن في هذه الدنيا، والتي تقتضي منه التمسّك بالدين، ولزوم الاستقامة على منهج الله تعالى، حتى وإن فسد الناس، أو حادوا عن الطريق، فصاحب الاستقامة له هدف يصبو إليه، وسالك الطريق لا يوهنه عن مواصلة المسير تخاذل الناس، أو إيثارهم للدعة والراحة، وهذه هي حقيقة الغربة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله"بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت