قال داود الطائي:"إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة، حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عما قريب، والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك".
وهكذا يكون المؤمن، مقبلا على ربه بالطاعات، صارفا جهده ووقته وفكره في مرضات الله تعالى، ولا تشغله دنياه عن آخرته، قد وطّن نفسه على الرحيل، فاتخذ الدنيا مطيّة إلى الآخرة، وأعد العدّة للقاء ربه.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".
أخرجه الترمذي (2465) ، وغيره، وصححه الشيخ الألباني.
قال محمد بن إسحاق الكلاباذي:
"في الحديث معنيان:"
أحدهما: الترغيب في الزهد في الدنيا والإعراض عنها، والرغبة في الآخرة والإقبال عليها، والتشجيع في ترك الدنيا بمعنى الإنفاق ممن هي في يديه، والإعراض عنها ممن ليست عنده، كأنه صلى الله عليه وسلم، يقول: من أعرض عن الدنيا، وأقبل على الآخرة، رزق الفراغ والتنعم وجمع الشمل، وأتته الدنيا أي: الرفق فيها والمهنأ منها، فيكون له المهنأ دون الشغل، والرفق من غير تعب فهو غني وإن عدم القوت، ومن أقبل على الدنيا وأعرض عن الآخرة شغل بما لا يجري، وتعب فيما لا يغني، فتزداد الدنيا عنه بعدا، لأنه لا يصيب منها إلا المقدور، والمقدور لا يغنيه، وإن كثر لغلبة الحرص عليه والتأسف على فوت ما لم يقدر له تعب الطلب، والخيبة في التعب، فهو فقير وإن ملك الدنيا.