فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 170

عرفية خاصة ببيئة المتكلم فهذا مما لا يقبل بحال.

ومن فعلَ هذا نرده بأننا تلقينا وحيين؛ كتابًا وسنة، وقد كان هناك قوم شاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعوا منه ورأوا من أحواله وأفعاله ما يجعلهم أكثر الناس دراية بمراد الله من خطابه؛ فليس السامع الغائب كالسامع الشاهد، ومات رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو راض عنهم وزكاهم ربهم وأمرنا باتباع سبيلهم؛ قال الله: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) } [البقرة: 137] . وقال الله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) } [النساء: 115] .

فنحن نرفض تمامًا التعامل مع منطوق القرآن والسنة بغير السياق العام الذي نزل فيه، أعني التطبيق العملي المتمثل في فعل الصحابة رضوان الله عليهم ومعهم إمامهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وأضرب مثالًا أبين به قولي:

آيات الحجاب ـ وهي مما يكثر حولها دندنة القوم ــ أعني قول الله تعالى: { ... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ... } [الأحزاب: 53] ، وقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) } [الأحزاب: 59] ، وقول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] ، وقول الله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] .

هذه الآيات لها سياق نزلت فيه وتفهم دلالتها من خلاله .. المنافقون على نواصي الطرقات وبالأزقة يتحرشون بالسافرات من النساء حين يخرجن ليلًا لقضاء الحاجة، وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يطالب بضرب الستر بين الرجال والنساء كي لا يرى الرجال أبدانهن ـ وهن العفيفات الطاهرات أمهات المؤمنين ونساء الصحابة رضي الله عنهن أجمعين ـ ولا يرى النساء أشخاص الرجال ـ وهم صحابة النبي الكرام ـ ونزلت الآيات فشق النساء مروطهن وتخمرن بها [1] ، وأصبحن كالغرابيب لا يُعرفن ولا يرى منهن شيء لا بوصف ولا بكشف، ولا تطمع

(1) في ذلك عدة أحاديث عن أم المؤمنين عائشة وأم سلمة ـ رضي الله عنهما ـ في البخاري ومسلم وفي سنن أبي داود وغيرهم. وانظر سبب نزول الآيات في ابن كثير والطبري والقرطبي ـ هذا ما اطلعت عليه ـ. وانظر ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد ـ رحمه الله ـ فيما أورده من أدلة على الحجاب في كتابه القيم (حراسة الفضيلة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت