فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 170

من كيد السياسة ولم يكن من حرج الفلسفة أو حجر على الأفكار) [1] .

وهذا الكلام باطل، ولا يحتاج لمن يشهد على بطلانه، فمن قلة العقل أن يقال: إن وجود الخارجين على الشريعة في التاريخ دليل على صحة مذاهبهم .. أليس كذلك؟!

فمن يقرأ التاريخ لا يجد هذه المذاهب ولا الداعين إليها محل ترحيب من عوام المسلمين وخواصهم، فمما يعرفه الجميع أن رؤوس أصحاب الفرق والمذاهب أصيبت ديانةً لا سياسةً، كالجهم بن صفوان، والجعد بن درهم والحلاج؛ ومما يعرفه الجميع أن نفرًا غير قليل من الشعراء والأدباء قتلوا بتهمة الزندقة، كبشار بن برد وابن المقفع، بل إن من أشهر ما يمكن رصده في أحداث القرن الثاني الهجري هو (الزندقة) .. الاتهام بها وقتلُ نفرٍ بتهمتها.

والمستشرقون معوجُّون في حديثهم عن الزندقة، فمرةً يقولون بأنها كانت تصفيات سياسية باسم الدين، وما كانت كذلك، فما قتل الجعد سياسيًّا، ولا الجهم، ولا بشار بن برد، ولا ابن المقفع.

ومرةً يستدلون بهؤلاء على وجود المذاهب المنحرفة في العصور الأولى، كما يفعل العقاد هنا وهو يدلل على شرعية الفلسفة بوجودها في أحداث التاريخ.

والحقيقة غير ذلك.

الحقيقة أن المنحرفين لم يلقوا ترحيبًا من أحد، ودعوى أن تصفيتهم كانت سياسية دعوى خاطئة لا تنهض بنفسها ولا بغيرها.

والحقيقة أن فصل الدين عن السياسة لم يكن موجودًا في هذه الأيام، كانت كلها شرعية، ولم يكن مصطلح السياسة قد ظهر بلفظه أو بمعناه [2] .

بل إن العكس هو الصحيح، فقد كان هناك تآمر على الشريعة الإسلامية، حتى إن كل المذاهب التي ظهرت في الملة أصولها من الكافرين، وإن رحت تستقصي الأفكار الهدامة التي دخلت الإسلام تجد أن أصلها من الكافرين .. يهود وغيرِ يهود، أثَّر اليهود ـ أو الكافرون عمومًا ـ في نفرٍ من الكارهين لبعض ما أنزل الله أو بعض المغرضين أو مرضى النفوس الذين يبحثون عن

(1) ص 874.

(2) السياسة من (ياسة .. كتاب التتار) ، أضيف إليها حرف السين ثم (أل) التعريف، وظهرت بعد التتار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت