فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 170

ذواتهم من خلال الدعوة إلى الله (المنافقين) .

مثلًا: بدعة القدرية (أن الإنسان حر في اختياره) أوَّلُ من تكلم بها سَوْسن في العراق، وهو نصراني عراقي أسلم ثم ارتد ثانية إلى الكفر، هذا الكافر المرتد تكلم بالقدر، وأخذ عنه معبد الجهني [1] ، ثم جاء بعده غيلان القدري وكان بليغًا فتكلم وأكثر، وناظر الضعفاء؛ وعاند العلماء.

والشيعة بدأها ابن سبأ اليهودي، بعد أن دخل في الإسلام وتقمص دور (المؤمنين) وتعامل مع مرضى النفوس (المنافقين) والغافلين المتحمسين، فكان ما كان.

وبدعة الجبر (أن الإنسان مجبور) والإرجاء في الإيمان [2] ، والتعطيل في الأسماء والصفات ظهرت على يد الجهم بن صفوان وشيخه الجعد بن درهم، كانت أسانيدهم (ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة) [3] ، حتى الفلسفة والعلوم الأخرى التي دخلت للإسلام وأظهرت في المذاهب الفكرية المنحرفة، كان للآخر علاقة بها، متعاونًا مع الذين في قلوبهم مرض، وهذا يظهر أثر مخالطة المبتدعة .. والضالين.

فهناك نفوس تشرب البدعة وتأبى إلا ذلك. هذه نفوسُ المنافقين، ويتصل بها (الآخر) بقصد ـ وهو الغالب ـ أو دون قصد، ويقوم بتفعيلها لتحدث الفتنة في صفوف المؤمنين.

ولهذا السبب تأثر الفكر الإسلامي بالأفكار الأخرى مع أننا كنَّا الغالبين، والغالبُ في الغالبِ لا يتأثر بالمغلوب، وإنما أُتينا من قبل المنافقين ـ مرضى القلوب ـ اتصل (الآخر) بمرضى القلوب أو اتصلت بهم القلوب المريضة فشربت من حياضهم ثم عادت إلينا، تروي المهزومين والمتطفلين بما ارتوت به.

وعلى عجالة أضرب لك بعض الأمثال، ولا تعجل؛ فهذا من صلب ما تكلم فيه العقاد .. إنه الفكر الخبيث في جملته يتسلل من كل طريق:

ابن المقفع، كان (أحد البلغاء والفصحاء، ورأس الكتّاب) ، وكان الخلفاء يبحثون عن المتميزين، ويغضون الطرف قليلًا وكثيرًا عن خلفياتهم العقدية، فأسلم هذا الفصيح البليغ الماهر

(1) ذكر ذلك الحافظ الذهبي في ترجمة معبد الجهني في سير أعلام النبلاء (4/ 187) .

(2) ذكر الدكتور سفر الحوالي في كتاب (الإرجاء) أن إرجاء الفقهاء ظهر قبل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان. وإنما عنيت هنا البدعة التي يفسق صاحبها أو يكفر في الإيمان وفي الأسماء والصفات، والتي تسللت للدين عن طريق الجهم والجعد.

(3) الفتاوى (5/ 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت