«وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [1] ، فخطاب الشرع في الأساس لم يَفْصل الدنيا عن الآخرة، بل رتبهما فجعل هذا من ذاك، الأخروي يتحكم في الدنيوي والأخروي هو الأساس.
وفائدة هذا الكلام هو أننا لسنا معنيين بتقدم تقني وحضاري دون أن ننطلق من أساس شرعي، دون بناء قاعدة صلبة على مستوى الأمة والجماهير والأفراد المعنية بالبحث في هذا المجال. والنقطة التالية تزيد هذا الكلام وضوحًا.
خامسًا: إبراز التقدم التقني على أنه مطلب أساسي وملحّ ـ وخاصة حين يتكلم بهذا الكلام الشرعيون ـ أدى إلى أن توجه طاقات الأمة إلى هذا المجال، وانفضوا عن العلم الشرعي، فنحن نرى اليوم المتفوقين من أبنائنا يتجهون للكليات الخدمية مثل الطب بفروعه، وبالتالي توجَّه إلى العلم الشرعي من لا يرغبه .. مَنْ حَمَلَهُ (المجموع) على دخول الكليات الشرعية، وانعكس ذلك على مستوى الدعاة في المساجد، فقد اعتلى المنابر قوم مكرهون وتجرأ عليهم العامة وصاروا يتندرون بفعالهم، وهي صورة واضحة جدًّا في مصر.
وبما قدمت من أنه لابد أولًا من ضبط القاعدة الشرعية عند الجماهير وعند من يتوجهون للمجال التقني، يلزم علينا أن نوجِّه طاقتنا الفاعلة للمجال الشرعي والتربوي حتى نفرغ من ضبط القيم، فهذه المرحلة ليست مرحلة التوجه للمجال التقني تحديدًا. وقد قدمت أسباب ذلك.
سادسًا: المساحة التقنية التي نتحرك فيها ـ نحن المسلمين ـ محدودة جدًّا، وهذا الكلام يفهمه كل ذي عقل، فالعقول تُستقطب لصالح الغرب الكافر أو الشرق الملحد، ولا يسمح لها أن تثمر في بلدها، ووسائل التقدم الحديثة بيد غيرنا، ونحن ـ المسلمين ـ في البلاد الإسلامية سوق استهلاكية لما تنتجه عقول هؤلاء أو عقول أبنائنا عندهم ممن يحملون جنسيتهم.
في إحدى حلقات برنامج ساعة حوار بإذاعة ( BBC) سأل مقدم البرنامج أحد أساتذة الاقتصاد في جامعة القاهرة: لماذا لم تتقدم مصر مع أنها تمتلك كل إمكانات التقدم من عقول وأرض وثروات ... إلخ؟!
فأجاب بجملة واحدة: لأن التقدم قرار سياسي في الأساس.
وهو والله الرأي؛ خريجو العلوم والهندسة والصيدلة ـ وهي الكليات المعنية بالتقدم التقني ـ
(1) جزء من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عند البخاري ـ كتاب الصوم برقم 1771، ومسلم ـ كتاب الصوم برقم 1944.