مطحون بين الناس بحثًا عن رزقه، وحاملو الدراسات العليا بالكاد يجدون قوت يومهم، وبعد أن يتخرجوا يتحولون إلى أدوات لابتزاز الناس من أجل الحصول على لقمة عيشهم، وسلوا المستوصفات والمستشفيات الخاصة، ومصانع الأدوية وشركات الدعاية الدوائية.
إنه سياج غليظ مرتفع من حديد مطلي بالقطران لا تكاد تبصر آخره .. أزيحوا هذه السدود ولن تجدوا حاجة للكلام على التقدم التقني؛ فهؤلاء هم السبب الرئيس في تخلفنا التقني، أبعدونا عن شرع ربنا، وفرطوا في ثرواتنا الفكرية والمادية، فهل يعقل قومنا؟!
سابعًا: التكلمُ في التقدم التقني من قبل الشرعيين في القديم، محمد عبده، وعباس العقاد، ومَن يتكلمون اليوم، توريطةٌ من الخبثاء المكّارين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ هدفها الرئيس هو تقديم بعض التنازلات الشرعية، ويتضح هذا حين يوضع أصحاب العمائم أمام أصحاب الكرافتات ويتصبب الشرعيون عرقًا حين تتكلم هذه الذئاب البشرية بأنها أنطقت الحديد، وركبت الجو والبحر ونقلت بالصوت والصورة كل شيء من كل مكان، وماذا قدم العمائم للناس؟! اللهم هذا حلال وهذا حرام، أو كما يعبر بعضهم بسخرية أحيانًا: (هذا حرام وهذا حرام) ؟!
وينقلب هؤلاء على الشريعة ليفكوا حالة الحرج والضيق هذه فيقولون: الشرع لا يعارض العقل، والشرع مع التقدم التقني، والله أمرنا بعمارة الأرض، ويبترون النصوص من سياقها الفعلي والقولي لتنطق بمراد هذه الذئاب البشرية, وينتهي الأمر بانحراف جديد في مفاهيم الشرع وليس بتقدم تقني كما أراد المشايخ ـ وفقهم الله [1] ـ.
ثامنًا: والعلوم التطبيقية بوضعها الحالي تحتاج لمراجعة شرعية أيضًا، فهي تُدَرَّس بخلفيات علمانية، فآيات الله في كونه تفسر على أنها ظواهر طبيعية، والأمراض في مناهجنا نتيجة اختلال فسيولوجي (وظيفي) في جسم الإنسان، والعلاج بالدواء، والدواء هو المؤثر في المرض، وحين لا يؤثر العلاج فذلك إنما لأسباب تتعلق بكذا أو كذا، ودارسو هذه العلوم ومدرسوها بهم حالة من الاستعلاء على العلوم الشرعية وطالبي العلم الشرعي بل ومفاهيم الشريعة ـ أتكلم عن المجموع لا الجميع ـ.
وبهذا تضيع الفائدة الشرعية التي يستند إليها الشرعيون في تدريس هذه المواد، فإن كنتم لابد
(1) ولمزيد بيان راجع (محمد عبده .. من زرعه ومن حصده) للكاتب، بالصفحة الخاصة في موقع= =صيد الفوائد، وشبكة القلم الفكرية، وموقع المختار الإسلامي.