فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 170

من بديهيات العقل أن شمولية الشريعة وكمالها وتمام حِكمة أحكامها، لا يعني أبدًا أن تنتقل هذه الشمولية وهذه الحِكمة المطلقة إلى المنتسبين إليها، بمعنى: هناك عموم الشريعة وخصوصية المنتسبين إليه، وخاصة الدعاة.

فقد كان من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ خالد بن الوليد، وكان منهم زيد بن ثابت، وكان منهم أبو ذر، كل شخصية لها ما تتميز فيه، فما سمعنا أن خالدًا تكلم في الفرائض، أو أن أبا ذر طلب الإمارة.

والمنحرفون (كليًّا أو جزئيًّا) لا يعرفون هذا، فمن المعالم الرئيسة عند المنحرفين فكريًّا أن تجدهم يتكلمون في كل ما يعرض عليهم، أو ما يتعرضون له، ولا يرجعون لأهل العلم، وكذا كان العقَّاد متخصصًا في كل شيء، إن تكلم أهل الآثار والتنقيب في الأرض أمسك قلمه وشارك، وإن احتدم خلاف بين عباد الصليب وأتباع الحبيب ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أمسك العقاد قلمه وبحث عن مكانٍ لا يقف فيه أحد ثم وقف وراح يرمي، ويكون خصيمًا للجميع، أو مخالفًا للجميع!!

قديمًا كان الجهم بن صفوان يعمل كاتبًا للحارث بن سُرَيْجٍ ـ أحد من خرجوا على بني أمية في خراسان سنة 127 هـ ـ ولا علاقة له بالعلم الشرعي لا طلبًا ولا عملًا (سلوكًا) ، حتى قيل: إنه لم يحج البيت قط، وإنما كان ذكيًا لَسِنًا مجادلًا، مجبولًا على الاعتراض والمِراء، هذه كل ثروته.

اتصل ذات يوم بطائفة من الفلاسفة الهنود، يقال لهم: (السُّمَنِيَّة) وراح يجادلهم وهو صفر من العلم معتمدًا فقط على عقله، وابتدؤوا الكلام معه بالسؤال عن مصدر المعرفة، (وهي أكبر قضية فلسفية على الإطلاق، وأصل كل بحث ونظر عندهم، وخاض بغير علم في كتابه الله، وكانت فلسفتهم تقوم على أن المصدر للمعرفة هو الحواس الخمس، ولما كان الجهم جاهلًا سلَّم لهم بأصلهم الفاسد هذا، فسألوه سؤالًا آخر مبنيًا على هذا الأصل الفاسد، وهو: صف لنا ربك يا جهم! بأي حاسة أدركته من الحواس، أرأيته أم لمسته أم سمعته ... إلخ؟!

وسقط في يد هذا الضال المسكين ـ كما يقول الدكتور سفر الحوالي في الإرجاء ـ، وطلب منهم مهلة ليفكر في الأمر، ولم يستطع أن يستلهم حجة، ولم يسأل العلماء فيداووه ويلقنوه، وقادته الحيرة إلى الشك في دينه، فترك الصلاة مدة، ثم استغرق في التفكير والتأمل، حتى انقدح في ذهنه جواب خرج به عليهم قائلا: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو من شيء. وهذا الجواب هو أساس نفي الصفات، ومن يبحث يجد أن نفي الصفات هو من قول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت