طائفة من فلاسفة الهند [1] تسرب للإسلام عن طريق هذا الضال المسكين الجاهل المتكبر المستكفي بعقله.
ثم خطا الجهم خطوة أخرى؛ وهي أنه راح يُدلي بدلوه في القضايا التي كان الجدال محتدمًا حولها، ومنها قضية الإيمان، واعتمادًا على عقله أخذ يفكر ثم خرج بما قاله في الإيمان، وهو أن الإيمان المعرفة، والكفر هو الجهل، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، دونما حاجة إلى قولٍ باللسان ولا عمل بالجوارح، على حد قول الجهم، وهو مخطئ.
ثم خطا جهم خطوة أسوأ من هذا كله، وهي أنه تعصب لمذهبه وأخذ يبحث في الشاذ والغريب من أقوال العلماء ولوازم الأقوال ليثبت مذهبه، فتجمع على الجعد بن درهم في العراق، وخرج من عندهم الإرجاء والتعطيل بتأثير الآخر [2] .
وقريب منه واصل بن عطاء .. تلميذٌ يتعلمُ عند إمام العصرِ (الحسن البصري) ، وتطرح أم القضايا المعروضة على الساحة الدعوية يومها (مرتكب الكبيرة) ، فلا يجد حرجًا من الإجابة، ثم ينشق على شيخه ويتعصب لرأيه ويلتف حول النصوص فيحملها جبرًا عنها لتشهد بقوله، والنصوص طيعة .. من كلام العرب .. يدخلها الاحتمالات بأدنى الحيل، ولذا تجدها يقينية الثبوت ظنية الدلالة، لا يَعرف فساد حالِ المستدل إلا العلماء، راح يُنظِّر لمذهبه الجديد، ويضع له الأصول، ولو أنصف لردَّ على الحسن البصري وجادله طلبًا للحق أو ذهب لغيره من العلماء يعرض ما عنده وينصت لما عندهم، كما كان يفعل أبو حنيفة مثلًا؛ ففي سبيل الضالين ثلاث خطوات رئيسة:
الأولى: التكلم عن جهل، أو أن يعتقد الرجل أن العلم كله عنده، فحين يُسأل يجيب بما عنده وهو قليل ولا يراجع أهل العلم، أو يعتمد على عقلة ويُنشئ أقيسه مَغْلوطة، ويلحق بهذا من تعرض عليه مسألة فيذهب يفتش في بعض الكتب، ويعتمد على بعض روايات الإخباريين أو الأحاديث التي لا يعرف درجتها، ويفهم كما يشاء، ولا يضبط فهمه على أحد، ثم يأتينا يتكلم في كبرى قضايانا، يعتمد على شهرته، وسيتضح هذا جدًّا من خلال مناقشة العقاد.
والثانية: وهي التعصب لهذا الرأي المنبثق أساسًا من الجهل أو من الرغبة في الثأر للنفس،
(1) وسنقف مع هذه في نقطة لاحقة إن شاء الله وقدّر.
(2) انظر: الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية.