محتلين للبلاد.
المنافقون ينصرفون عن الدين لشبهة أو لشهوة ـ والشهوة تنتهي في الغالب بشبهة، فالمعصية قد تتحول إلى بدعة ثم كفر ـ و (الآخر) يستغل هذا الأمر، فهم يشيعون الفاحشة فيجتمع المنافقون، ويشيعون الشبهات ويردد المنافقون، ويقيمون منابر للضلال ويعتلي المنافقون، وهم يقفون في وجه الطيبين كي يسير المنافقون آمنين مطمئنين لا يخافون.
وإن رحت تستقصي الأفكار الهدامة التي دخلت الإسلام وجدتَ أصلها من الكافرين .. مثلًا بدعة القدرية أوَّلُ من تكلم بها سَوْسن في العراق، وهو نصراني عراقي، أسلم ثم ارتد ثانية إلى الكفر، هذا الكافر المرتد تكلم بالقدر وأخذ عنه معبد الجهني [1] ، ثم جاء بعده غيلان القدري وكان بليغًا فتكلم وأكثر، وناظر الضعفاء، وعاند العلماء.
والشيعة بدأها ابن سبأ اليهودي، بعد أن دخل في الإسلام وتقمص دور (المؤمنين) وتعامل مع مرضى النفوس ـ المنافقين ـ والغافلين المتحمسين، فكان ما كان.
وبدعة الجبر ـ أن الإنسان مجبور ـ والإرجاء في الإيمان [2] ، والتعطيل في الأسماء والصفات ظهرت على يد الجهم بن صفوان وشيخه الجعد بن درهم، كانت أسانيدهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة [3] . حتى الفلسفة والعلوم الأخرى التي دخلت للإسلام وأثرت في المذاهب الفكرية المنحرفة، كان للآخر علاقة بها، متعاونًا مع الذين في قلوبهم مرض، وهذا يُظهر أثر مخالطة المبتدعة والضالين.
فهناك نفوس تشرب البدعة وتأبى إلا ذلك، وهذه نفوسُ المنافقين، ويتصل بها (الآخر) بقصد ـ وهو الغالب ـ أو بدون قصد، ويقوم بتفعيلها لتحدث الفتنة في صفوف المؤمنين.
ولهذا السبب تأثر الفكر الإسلامي بالأفكار الأخرى مع أننا كنَّا الغالبين، والغالبُ في الغالبِ لا يتأثر بالمغلوب، وإنما أوتينا من قبل المنافقين ـ مرضى القلوب ـ اتصل (الآخر) بمرضى القلوب أو اتصلت بهم القلوب المريضة فشربت من حياضهم ثم عادت إلينا، تروي المهزومين والمتطفلين بما ارتوت به. وهذا ما حدث مع العقَّاد، فقد أحب ما عند القوم فنقله، أو حقد على إخوانه فأراد
(1) ذكر ذلك الحافظ الذهبي في ترجمة معبد الجهني في سير أعلام النبلاء (4/ 187) .
(2) ذكر الدكتور سفر الحوالي في كتاب (الإرجاء) أن إرجاء الفقهاء ظهر قبل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان. وإنما عنيت هنا البدعة التي يفسق صاحبها أو يكفر في الإيمان وفي الأسماء والصفات والتي تسللت للدين عن طريق الجهم والجعد.
(3) الفتاوى (5/ 6) .