التوحيد كيف اهتدت إليه البشرية؟! أو كيف تعرفت البشرية على التوحيد؟! يناقش عباس العقاد بواعث الدين .. هل هي (الأسطورة) أو (ملكة الاستحياء) أو (السحر) ، أو هل نشأت العقيدة من (إحساس الإنسان بالضعف) أم أنها (ظاهرة اجتماعية) .. أو (حالة مرضية) أو (خليط من الجماعية والفردية) ، كما يزعم أهل الفلسفة؟!!
ثم يرفض أن ينفرد أيٌّ من هذه التعليلات، ويعطي تفسيرًا آخر، يقول بأن منشأ العقيدة عند البشر يتعلق بما أسماه (الوعي الكوني) [1] ، ويعرفه بأنه الحواس النفسية عند الإنسان، يقول: إن (الوعي الكوني) ملكة قابلة للترقي، ويسند إليها منشأ العقيدة، ويقول: إن ذلك (حقيقة يستلزمها العقل ويؤكدها المشاهد في كل زمن وفي كل موطن وفي كل قبيل) !!
و (الوعي الكوني) غير (العقل) عند عباس العقَّاد، يُفرِّق بينهما بأن أحدهما ـ الوعي ـ أشمل من الآخر ـ العقل ـ، وأن (الوعي الكوني المركب في طبيعة الإنسان هو مصدر الإيمان بوجود الحقيقة الكبرى التي تحيط بكل موجود) ، ويعني بالحقيقة الكبرى التي تحيط بكل موجود يعني بها الله جل جلاله، ويقول: (ونحن إذا رجعنا إلى تاريخ الإيمان في بني الإنسان وجدنا أن اعتماده على(الوعي) الكوني أعظم جدًّا من اعتماده على القضايا المنطقية والبراهين العقلية، وأنه أقوى جدًّا من كل يقين يتأتى من جانب التحليل والتقسيم). ويقول: (البراهين جميعًا لا تغني عن الوعي الكوني في مقاربة الإيمان بالله والشعور بالعقيدة الدينية) . ويقول: (وجعل الهدى من الله ولكنه من طريق العقل والإلهام بالصواب) .
هذا هو مصدر الإيمان عند العقاد .. (الوعي الكوني) .
و (الوعي الكوني) الذي يتكلم عنه العقاد هو (العبقرية) في استعمال العقاد، فحالَ حديثه عن الصوفية في كتاب (الله) أعطى وصف العبقرية الدينية للمتصوفة، فالصوفية عنده هي العبقرية الدينية، وما ذاك إلا لأن هؤلاء المتصوفة نما عندهم (الوعي الكوني) ، فانكشف لهم ما وراء الحجب، فعلموا الحقيقة المطلقة. ويضرب الأمثال بالحلاج وابن عربي والعدوية [2] !!
فالعقاد يرى الأنبياءَ بشرًا قد اكتملت فيهم هذه الملكة (الوعي الكوني) أو (العبقرية) ، وبهذا عرفوا عن الله وبلغوا الخلق!!
والعقَّادُ يرى الدين الإسلامي أفضل الأديان لأنه جاء متأخرًا بعد أن نما (الوعي الكوني) عند
(1) بعد أن استعرض أقوال الفلاسفة في نشأة العقيدة عقد العقاد فصلًا أسماه (الوعي الكوني) ، عرض فيه ما لخصتُه في النص أعلاه، وعاد ثانية للحديث عنه في نهاية كتابه، تحديدًا في فصل (وجود الله) .
(2) وتعظيم الحلاج وابن عربي وتصويب مسلك العدوية ينطوي على مخالفات شرعية كثيرة ناقشها عدد كبير من العلماء منهم ابن تيمية وابن القيم.