المسيحية بعد السيد المسيح كانت ترجع إلى مركزين: أحدهما برئاسة جيمس أي [يعقوب] المسمَّى بأخي الرب، ومقره بيت القدس، والثانية برئاسة بولس الرسول ومريديه، ومقرها خارج فلسطين بعيدًا عن سلطان هيكل اليهود. وقد كانت شعبة بيت المقدس أقرب إلى المحافظة والحرص على شعائر العهد القديم)!!
ثم يقول: (وظلت الرئاسة على العالم المسيحي معقودة لهذه الشعبة المقيمة في بيت المقدس حتى تهدَّم الهيكل وتقوضت مدينة بيت المقدس وتبددت الجماعة في أطراف البلاد، وآلت قيادة الدعوة إلى الشعبة التي كانت تعمل في خارج فلسطين) [1] !!
ويَعْلَمَ العقادُ، ويعلم الذين قرؤوا شيئًا عن النصرانية، أن المسيح ـ عليه السلام ـ لم يترك دولة بل أفرادًا يعدُّون عدًّا، تركهم محسورين مكبوتين خائفين، والعقَّاد يقول: فريقان يتناوبان رياسة!!
وهو متردد، وتردده أمارة على فساد رأيه؛ مرة يقول: التلاميذ كانوا اثني عشر، ومرة يقول: كانوا ثمانين، ومرة يقول: ترك المسيح شعبًا كثيرًا [2] ، ومرة يقول: بل ترك شعبتين متوازيتين إحداهما بالداخل والأخرى بالخارج، وفي ذات الكتاب يغير عباس العقاد كلامه فيذكر أن التحريف الحاصل في النصرانية على يد (بولس) ومن معه كان تطورًا طبعيًا [3] ، والتطور يعني أنه حدث بعد مدة من الزمن.
والقول بأن التغير الحاصل على يد (بولس) كان تطورًا وطبعيًا ينقض قوله الأول بأن بولس من التلاميذ، وأن المسيح ـ عليه السلام ـ ترك شعبتين متوازيتين إحداهما بالخارج يترأسها (بولس) والأخرى بالداخل يترأسها يعقوب أخوه [4] !!
والقول بأن التغير الحاصل على يد (بولس) كان تطورًا وطبعيًا غير صحيح من ناحيتين:
الأولى: أنه لم يكن تعديلًا بسيطًا في الفروع اقتضته المستجدات بعد أن طال عليهم الأمد وتغير الزمان واقتضى الحال تغير الفتوى، وإنما كان تبديلًا مباشرًا وشاملًا ومناقضًا تمامًا كما قدّمتُ.
الثاني: أن هذا التغير كاد أن يلحقَ المسيحَ ـ عليه السلام ـ فبولس (مؤسس شعبة الخارج كما
(1) موسوعة عباس العقاد الإسلامية (1/ 556) ط. دار الكتب لبنان. وهي مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (عبقرية المسيح) ، وقد صدرت الطبعة الثانية بعنوان (حياة المسيح) عليه السلام.
(2) موسوعة عباس العقاد الإسلامية (1/ 729) ط. دار الكتب لبنان. وفي صفحة 732 عاد يكرر ذات الكلام ويزيد عليه، يقول: التلاميذ ثمانون، وفوقهم ألوف من المسحيين. ولا أدري علام التفرقة ومن أين أتى بهذا العدد؟!
(3) موسوعة عباس العقاد الإسلامية (1/ 690) ط. دار الكتب لبنان.
(4) النصارى مختلفون في القول بأن للمسيح ـ عليه السلام ـ أخًا أم لا؛ والسبب في ذلك نص ورد عن (بولس) يصف يعقوب (أحد الحواريين) بأنه أخو الرب. ومختلفون في زواج المسيح ـ عليه السلام ـ فبعضهم على أنه تزوج مريم المجدلية، ومختلفون في كل شيء!!