يدعي العقَّاد) من معاصري المسيح ـ عليه السلام ـ في نفس عمره تقريبًا، وبدأ دعوته بعد رفع المسيح ـ عليه السلام ـ بأيام.
فأين التطور الذي يتكلم عنه العقاد؟!
وحين تُراجِع كلام عباس العقاد الذي يدلل به على صحة أقوال بولس، أو حين تراجع أدلة العقاد التي يتكئ عليها في موقفه الإيجابي من بولس لا تجد سوى حِفْنة من البيان يلقي بها في وجه من يقرأ له؛ يقول: عُذِّبَ وأوذي هو ومن معه وتبعته ألوف من الناس [1] ، وأهلُ الباطلِ لا يتحملون العذابَ [2] !!
وهذا الكلام غير صحيح، فلم يعذب بولس ويؤذى؛ وجهده الذي بذله لا يساوي جهدَ ناشطٍ يترأس أسرة دعوية بين طلاب المدن الجامعية، فلم يقاتل عدوًا ولم ينفق مالًا، بل كان كذَّابًا متلونًا يلبس لكل قومٍ لبوسهم [3] ، ولم يجلد ظهره أو يؤخذ ماله، وضربت عنقه في نهاية حياته بعد أن شاخ دونما تعذيب وتشريد، ومثل هذا النوع من الناس يقدمون على القتل كنوع من الدعاية لأفكارهم.
وإن سلمنا جدلًا أن بولس لاقى عذابًا شديدًا ـ وهو ما لا نعرفه ـ فلا يصلح أن يتكئ العقاد عليه دليلًا على موقفه الإيجابي من (بولس) ، فلو أن كلَّ من صبر على بلاءٍ وتبعه ألوف من الناس صحّحنا مذهبه، لصار الكل تقيًّا مؤمنًا .. بوذا .. وكرشنا .. وجنكيز خان .. والحلاج وكان جلدًا صبورًا .. والجهم بن صفوان .. ومحمد بن كرام .. والجعد بن درهم .. بل ليس ثَمَّ تمكينٌ لحقٍ أو باطلٍ بلا جَلَدٍ ومجالدة، وكل هؤلاء تتبعهم الملايين: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) } [يوسف: 103] ، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) } [الأنعام: 116] .
فَتَّشْتُ كثيرًا وطويلًا فيما كتب العقاد .. فوجدت الرجل يصر على تصويب بولس ومن كانوا معه من المبدلين لدين الله؛ حتى إنه يدفع عن بولس تهمة الكذب التي أقرّ بها على نفسه، وشهد بها عليه أصدقاؤه وأعداؤه؛ يقول العقاد مدافعًا عنه: (بولس كان يتألف القلوب ببعض
(1) موسوعة عباس العقاد الإسلامية (1/ 714) ط. دار الكتب لبنان.
(2) موسوعة عباس العقاد الإسلامية (1/ 558،559) ط. دار الكتب لبنان.
(3) انظر إن شئت للكاتب: (لم أفهم، ولم يفهم، ولن تفهم) . بصيد الفوائد وطريق الإسلام وغيرهما.