وصل إلى هذه النتيجة ـ الموجودة أصلًا قبل البحث ـ بالتلفيق واللف والدوران حول الدليل والتحايل عليه كما هي عادته. وها أنا ذا أبين لك حتى لا تخدع ثانية بالعقاد.
يريد أن يسند جَلَدَ خالد ـ رضي الله عنه ـ وقوته في الحرب إلى بيئته وليس إلى عقيدته، فيقول: (وموضع الترجيح والاستنتاج هنا إنما هو في إرسال خالد إلى البادية قصدًا لرياضة النفس والجسد على خشونة الأعراب وشدائد الميادين .. فهذا، وإن جرت به عادة بعض الأشراف في حواضر الحجاز، لم يقطع به قول من الأقوال في سيرة الوليد بن المغيرة وبنيه(الشهود) على احتمال الشهادة للمعنى الذي قدمناه. ولكن الأمر الموثوق به كل الثقة، والذي لا موضع فيه لترجيح ولا استنتاج، أن خالدًا قد نشأ حيث نشأ في الحاضرة أو البادية مستعدًا للخشونة مستطيعًا لمعيشة الأعراب، مستجيب السليقة والبيئة لما يتكلفه المجاهد في أوعر القفار وأعنف الحروب).
ماذا يفعل؟!
يريد أن يثبت أن خالدًا ـ رضي الله عنه ـ اكتسب القوة والجلد من البدو في الصحراء، ولم يجد دليلًا على ذلك، بل وجد عددًا من الأدلة وقوفًا يقطعون عليه الطريق ويأمرونه بالرجوع؛ منها أن القرآن الكريم صريحٌ بأن أولاد الوليد بن المغيرة ـ ومنهم خالد ـ كانوا شهودًا حول أبيهم؛ بمعنى أنهم لم يتركوه: {وَبَنِينَ شُهُودًا} [المدثر: 13] . ومنها أن خالدًا ـ رضي الله عنه ـ لم يكن بدويًّا، وإنما من حواضر الجزيرة .. من أم القرى (مكة المكرمة) ، ولم تأتِ الأخبار بأنه عاشر البدو .. لا يوجد في الكتب خبر يفيد أن خالدًا بادَ في الأعراب.
ماذا فعل العقاد أمام هذه الأدلة التي تقطع عليه الطريق وتأمره بالرجوع؟!
كعادته راح يحتال ويكذب .. راح عباس العقاد يحور ويدور حول النص الصريح والحقائق الثابتة في التاريخ كي يثبت أن خالدًا كان قويًّا بنشأته وفطرته، وأنه كان على علم تام بالصحراء والعرب، ولذا استطاع أن يهزمهم في حروب الردة وما بعدها. ويتكلَّم من تلقاء نفسه، يكذب، أو قل: يخدع القارئ البسيط، يقول: (فلعله سافر كثيرًا في الجزيرة قبل الإسلام، ولعله عرف في تلك الأسفار دروبها العصية التي كان يطرقها من العراق إلى الحجاز ومن الحجاز إلى اليمن، ومن نجد إلى الشام) .
ولنا أن نسأل: إذا كان السر في نشأة البادية، فكيف هزم خالد من نشأ عندهم وتحلى بصفاتهم وهم أوفر عددًا وعدة؟!