إننا لو قلنا بقول العقاد: إن السر في النشأة في البادية لكان أولى بالنصر أهل البادية.
وخالد واحدٌ من قريش لم يكن يتجول في الصحراء، بل كانوا يسيرون في الدروب المشهورة ولا يقتحمون الصحراء، وكانت رحلاتهم شمالًا وجنوبًا وليس تجوالًا في دروب الصحراء، ولم يعرف خالد بتجارة، والعقاد يقر بذلك بعد هذا الكلام بقليل، وخالد كان يسير بدليل لا بغير دليل في الصحراء كما في قصة عبورة من العراق للأردن وهي شهيرة!!
إنه العقَّاد، يكذب ويحتال ويلف الكذب في ثوب البيان .. إنه العقاد يتخبط ذات اليمين وذات الشمال، وليس عنده سوى: إنكار أثر العقيدة في حياة خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ، سوى القول بأن الإسلام لم يضف شيئًا لخالد، سوى القول: إن السبب هو النشأة والصفات الموروثة وليس العقيدة!!
فقط ألفت النظر إلى أن العقاد يملك مسلمات قبل البحث، ويحاول أن يصل إليها عنوةً رغمًا عن الدليل، وإن لم يطاوعه الدليل تخطاه وركب الكذب مستخفًّا بعقول من يقرأ.
ألفت النظر إلى أن العقاد وقد (نفخوه) حتى جعلوه (عملاقًا) ، فحقيقته أنه قزم صغير ليس عنده سوى الكذب وخداع القراء.
وهذا دليل آخر يؤكد كلامي، يقول ـ وهو يتكلم عن خالد بن الوليد ـ بأن بني مخزوم (باؤوا بأسباب المحافظة على القديم جميعًا حين تصدى الإسلام لتبديل ذلك القديم، فهم أول من يصاب بهذه الدعوة الجديدة وآخر من يلبيها وله مندوحة عنها، ومن ثم كانت المصاولة بين الإسلام والجاهلية في وجه من وجوهها مصاولة بين محمد عليه السلام وبين خالد بن الوليد الذي انتهى إليه شرف الرئاسة المخزومية في ذلك الأوان) [1] .
هذا الكلام في صفحة 22، وبعده بقليل وهو يحسب عُمْر خالد بن الوليد يقول قولًا آخر، يقول بأن خالدًا كان غلامًا صغيرًا والرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة.
وفي كل الأحوال العقاد يتعدى على الحقيقة بكثيرٍ من قلة الحياء، فخالد لم يكن يومًا رأس بني مخزوم، ولا رأس بني أبيه، فضلًا عن أن يكون رأس المشركين كلهم ويكون هو رأس الجاهلية في
(1) عبقرية خالد ص 21، مع أنه ذكر في ص 27 أي بعد ذلك بقليل أن خالدًا كان (غلامًا) في قريش .. صغير السن!!