ـ ويتبع هذه الفائدة ما بثثته في كثير من المواضع من الغرائب والعجائب التي حواها كتابهم والتي لم أطل مناقشتها غالبًا وإنما أبرزتها من متن الكتاب المطول [1] لأجعلها نصب أعين أولئك المتطاولين على شريعتنا في أشياء لم تتقبلها أمزجتهم المنحرفة وثقافتهم الممسوحة المهترئه، لأقول لهم: على رسلكم فمن كان بيته من زجاج فحريّ به أن لا يقذف الناس بالحجارة ... إذ أن بنيانه الهش لا يصمد أمام ارتداد تلك الحجارة ..
ولأنبه إليها أيضا المنهزمين من ضعاف الإيمان السّماعين لهم والمتأثرين بشبهاتهم .. ولأزيد الدعاة الصادقين المتصدّين لتلك الشبهات حججا ووسائل يقمعونهم بها
ـ ومن الفوائد أيضا أنك عندما ترى تلاعب الشيطان بهؤلاء القوم حتى جعلهم يسطون على كتبهم التي استحفظوا عليها وكانوا عليها شهداء فلم يحفظوها بل حرفوها ودسوا فيها من الباطل العريض ما ستراه وتعاينه ويقشعر له بدنك؛ أقول: إذا رأيت ذلك ستحمد الله على نعمة القرآن العظيم الذي تكفل الله بحفظه وسيزداد حبك لهذا الكتاب الكريم وسيتضاعف إعجابك به إذا ما تدبرت إحكامه وسلامته من العوج والعيوب وبراءته من الباطل والتحريف الذي قد طال غيره من الكتب، فإنه بقي محفوظًا بحفظ الله تعالى طوال القرون الماضية رغم ما مرً على الأمة من حملات غزو واحتلال واستضعاف واستعمار، بدءًا من القرامطة فالتتار والصليبين فالاستعمار فاليهود وأذنابهم من المرتدين والكفار، دنست خلال ذلك أعظم مساجدها بدءًا بالبيت العتيق الذي فعل فيه القرامطة الأفاعيل فقتلوا الطائفين والركع السجود ونهبوا الحجر الأسود .. ومرورًا ببغداد التي حاول التتار محو وغسل علوم الأمة وحضارتها حتى سوّدوا مياه دجلة والفرات بمداد الكتب والمخطوطات التي رموها فيهما .. إلى المسجد الأقصى الذي ذبح الصليبيون حول أسواره ما يزيد على السبعين ألف قتيل من المسلمين وحولوه إلى إسطبل للخيول .. وانتهاء باليهود الذين احتلوه وحرقوه ولا زالوا يتآمرون عليه ... أضف إلى ذلك ما أصاب الأمة من غفلة وسبات وما أصاب حضارتها وثقافتها من زعزعة واختلال، رغم ذلك كله وغيره بقي هذا الكتاب العظيم محفوظًا بحفظ الله له كما وعد سبحانه بذلك حين أنزله قبل أربعة عشر قرنا فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر9، فلا شك أن هذا من وجوه إعجاز هذا الكتاب العظيم، بخلاف
(1) . يقع الكتاب في ألف وتسع صفحات من القطع المتوسط والخط الصغير.