فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 221

وجواب هذه الشبهة ومناقشتها كالآتي:

1 -أنه قد علم بالاضطرار أن الاحتجاج بالقدر حجة داحضة وباطلة باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين، ويوضح هذا أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس؛ فإنهم كلهم مشتركون في القدر، فحينئذ يلزم أن لا ينكر على من يظلمه، ويشتمه، ويأخذ ماله، ويفسد حريمه، ويضرب عنقه، ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعًا كذابون متناقضون،؛ فإن أحدهم لا يزال يذم هذا، ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه؛ فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات، لزمهم أن لا يذموا أحداّ، ولا يبغضوا أحدًا، ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم، ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحد فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل، كما أنه كفر بالشرع.

2 -أنه يلزم على الاحتجاج بالقدر لازم باطل، ألا وهو تعطيل الشرائع، وحين تعطل الشرائع يلزم عليها أن يكون إبليس، وفرعون، وقوم نوح، وعاد، وكل من عذبه الله بسبب مخالفته أمره معذورًا، ويلزم -أيضًا- أن لا يفرق بين المؤمنين والكافرين، ولا بين أولياء الله وأولياء الشيطان، وهذه كلها لوازم معلوم بطلانها بالضرورة [1] .

3 -إن الله سبحانه خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادر عليه؛ وكما هو معلوم فإن القدرة التي هي شرط في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف؛ ومن ثم فالإنسان قادر متمكن، وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان، وحينئذ فحين لا يؤمن يكون هو الذي لا يريد الإيمان، وما دام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: لماذا لم يجعلني الله مريدًا للإيمان؟ لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه؛ وما دام الإنسان مريدًا قادرًا فاحتجاجه بالقدر باطل.

4 -وأقرب مثال على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال: إذا كان معلومًا أن الله قد علم وكتب أن فلانًا يتزوج امرأة ويطؤها ويولد له ولد، وأن فلانًا يبذر البذر فينبت الزرع ... إلخ، ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول: أنا لا أتزوج أو لا أطأ امرأة، فإن كان قدر الله أن يولد لي ولد فسيولد، أو يقول: أنا لا أبذر البذر، فإن كان قدر الله أن تنبت أرضي زرعًا فستنبت؛ لأن من قال هذا عد من أجهل الجاهلين [2] .

أما حديث احتجاج موسى وآدم فقد تكلم فيه العلماء، وأطالوا في ذلك، والجواب الصحيح هو: «أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه؛ وآحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى - عليها السلام - كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلومه على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه، وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة؛ فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب [3] .

(1) القضاء والقدر، د. عبد الرحمن المحمود، (ص:412) .

(2) المرجع نفسه، (ص:414) .

(3) القضاء والقدر، د. عبد الرحمن المحمود، (ص:421) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت