تجري أحداثها على غير مقتضى العدل ثم تنتهي على هذه الصورة؟ ..
ونشاهد عصاة لا يقفون عند حدود الله التي أمر الله بها، وينتهبون اللذات في الحياة الدنيا، وآخرين التزموا بأمر الله فلم يأخذوا من المتاع إلا ما أحل الله، وهو -في الدنيا- قدر أقل دون شك مما يستمتع به العصاة الغارقون في الملذات. أفإن كانت الحياة الدنيا هي نهاية هؤلاء وهؤلاء يكون الأمر حقًا وعدلًا؟! هل تستقيم الأمور بأن ينهب من أراد نهبته ويمضي بها بغير حساب، بينما الملتزم يحرم نفسه من المتاع الزائد ثم يمضي بحرمانه بغير ثواب؟!
كلا بغير شك! ولا يجوز ذلك في حق الله.
لا يجوز في حق عدالته وحكمته سبحانه أن الأمور على هذه الصورة؛ بل تكون الحياة عبثًا لا معنى لها ولا حكمة فيها.
من أجل ذلك نجد القرآن يربط في كثير من آياته بين خلق السموات والأرض بالحق وبين بعث الناس لسؤالهم عما عملوا في الحياة الدنيا ومجازاتهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شر فشر: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) } [التغابن] {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك:2] [1] .
بعد ما عرفنا وجوب الإيمان بالبعث والأدلة على ذلك؛ ما هي الأسباب الكامنة وراء عناد الناس وعدم إيمانهم بالبعث؛ لذلك أسباب عديدة منها:
1 -الاستبعاد: ولكونهم درجوا على ذلك مقلدين الآباء والأجداد، وكان مجرد طلب تغيير عقيدتهم عن هذا المألوف أمرًا من الصعوبة بمكان؛ بل جعلوه -وهو الأمر المألوف الذي يقتضيه العقل السليم- أمرًا مستبعدًا غاية البعد، فهم لم يشاهدوا أن الأموات يحيون بعد دفنهم فيقومون من قبورهم ليخبروهم بالعالم الآخر، وهم كذلك يشاهدون دائمًا أن الميت بعد دفنه بأيام تأكله الديدان، ويستحيل إلى تراب وعظام نخرة، فكيف يتصور أن ترجع إليه الحياة من جديد؟!.
هذا بعيد في مقياسهم السقيم، غير مقتنعين بأن قدرة الله لا يحدها حدود ولا يعجزها أمر، وقد استلزم هذا إنكارهم -أيضًا- لكمال علم الله؛ حيث تصوروا أن الإنسان حينما يصبح ذرات متفرقة في الكون في مشارق ومغاربها فكيف يعلم أماكن هذه الذرات ليجمعها ويجعلها كما كانت قبل الموت؟ ونسوا أن الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم لا يعجزه ذلك.
2 -الكبر وهو آفة الجهال المعرضين عن الله، وقد قص الله تعالى قصة أهل الكبر منذ رسالة نوح إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) } [هود:91] ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على الكبر والتعالي والتعنت؛ فكان جزاء ذلك أن حرموا نعمة الله ودخولهم في رحمة الله.
(1) ركائز الإيمان، محمد قطب، (ص:395) .
(2) الحياة الآخرة، د. غالب عواجي، (1/ 133) .