وخلاصة القول: إن التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الألوهية لله وحده؛ بأن يشهد أن لا إله إلا الله ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله ...
وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية -وهو اعتقاد أن الله وحده هو خالق العالم- كما يظن ذلك أهل الكلام وغيرهم؛ فهم يظنون هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفَنُوا فيه، فقد فَنُوا في غاية التوحيد؛ فإن الرجل لو أقر بما يستحق الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينّزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده؛ فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له. و (الإله) هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة [1] .
ومن ذلك نعرف خطأ من ظن أن توحيد الربوبية كافٍ كامل؛ مع أن توحيد الربوبية هو الذي أقر به المشركون؛ وهذا الخطأ ترتب عليه ضلال كثير من الناس؛ وذلك بالوقوع فيما يضاد توحيد الألوهية من الشرك ووسائله بدعوى أنهم لم يناقضوا التوحيد حيث آمنوا بربوبية رب العالمين .. وهذا يدعونا إلى ذكر الفروق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ..
1 -الاختلاف في الاشتقاق؛ فالربوبية: مشتقة من اسم الله (الرب) ، والألوهية: مشتقة من لفظ (الإله) .
2 -أن متعلق الربوبية الأمور الكونية: كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، ونحوها. ومتعلق توحيد الألوهية الأوامر والنواهي: من الواجب، والمحرم، والمكروه.
3 -أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون [2] ، أما توحيد الألوهية فقد رفضوه، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] ، وقال عز وجل:
{أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) } [ص:5] .
4 -أن توحيد الربوبية مدلوله علمي، وأما توحيد الألوهية فمدلوله عملي.
5 -أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ بمعنى أن توحيد الألوهية خارج عن مدلول توحيد الربوبية، لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلا بتوحيد الألوهية، كما أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى الألوهية.
6 -أن توحيد الربوبية لا يدخل من آمن به [3] في الإسلام بعكس توحيد الألوهية، فإن الإيمان به يدخل في الإسلام.
7 -أن توحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله كالخلق ونحوه، وأما توحيد الألوهية فهو توحيد الرب بأفعال عباده من الصلاة والزكاة، والحج، والصيام، والخشية،
(1) العقيدة الصافية للفرقة الناجية، سيد سعيد عبد الغني، (ص:250) .
(2) أقروا بأصله، أو يقال: أقروا به في الجملة؛ لأن المشركين عندهم خلل في توحيد الربوبية.
(3) لا بد من قيد من آمن بأصله، وإلا فإن من آمن بكل معاني الربوبية فهو سوف يؤمن بالألوهية بلا ريب، ولا يغلط في الألوهية إلا من لم يحقق الربوبية ..