فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 221

[الذاريات:56] ، ومعنى (يعبدون) يفردوني بالعبادة، ولا يكون العبد موحدًا بمجرد اعترافه بتوحيد الربوبية، حتى يقر بتوحيد الألوهية، ويقوم به، وإلا فإن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقرون أن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87] ، وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) } [الزخرف:9] .

وهذا كثير في القرآن، فمن زعم أن التوحيد هو الإقرار بوجود الله، أو الإقرار بأن الله الخالق المتصرف في الكون، واقتصر على هذا النوع؛ لم يكن عارفًا لحقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل؛ لأنه وقف عند الملزوم وترك اللازم؛ أو وقف عند الدليل وترك المدلول عليه [1] ، كما سيأتي توضيحه عند الحديث عن توحيد الألوهية.

للإيمان بالله - سبحانه وتعالى - ثمرات يجدها الإنسان في حياته، ومن أهم ثمرات الإيمان ما يلي:

أولًا: أن الله -سبحانه- ربّ كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره والمتصرف فيه، وإذا وقر هذا في قلب المرء المؤمن؛ شعر أن الله له الأمر كله؛ فلا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا مدبر للكون إلا الله وحده، فلا تتحرك إلا بإذنه، فإن هذا يوجب تعلق قلب المؤمن بالله وحده، وسؤاله والافتقار إليه، والاعتماد عليه، فهو سبحانه خالقه ورازقه ومالكه .. فإذًا لم الخوف من المخلوق؟!.

ثانيًا: يشعر المؤمن بالله -سبحانه- من أعماق قلبه أن ما دون الله هباء، فلا ترعه سطوة سلطان، ولا تخدعه ثروة غني.

وليثق أنه من المستحيل أن يغلب الله على أمره، أو أن يقطع شيء دونه، فالتعلق بغيره عجز، والتطلع إلى سواه حمق: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123] .

ثالثًا: إن الإيمان بالله يربي في العبد العزة والكرامة، والراحة والطمأنينة، والشعور بالرضا؛ لأن العبد يعلم أن الله الواحد القهار هو الذي بيده الرزق.

إن بعض الناس يخيل إليه أن الإيمان بالله وفعل الطاعات أعمال إيمانية وتكاليف باهظة لا تطاق! فيختارون الذل والمهانة وعدم الطاعة، هربًا من هذه التكاليف، فيعيشون عيشة تافهة رخيصة مفزعة مقلقة يخافون من ظلهم .. بل يخافون من كل شيء.

هؤلاء الناس يؤدون تكاليف أفدح من تكاليف الكرامة والطاعة والإيمان بالله؛ أنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة؛ يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيرًا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون ..

لقد شاهدنا كم من أناس يحنون رؤوسهم لغير الله الواحد القهار؛ لقد كان في وسعهم أن يكونوا أحرارًا، ولكنهم يختارون العبودية لغير الله؛ وفي طاقتهم أن

(1) انظر: عقيدة التوحيد، د. صالح الفوزان، (ص:41) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت