إذا وجدنا مجتمعًا آخر يختلف في ظروفه عن المجتمع الذي تحدثت عنه، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينينة ويتصور أنها حتم وضرورة فماذا نحكم عليه؟! وكيف يكون ألحكم -أيضًا- إذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح ...
فقط نثبت السؤال، ونترك -ولا نقول لكل مسلم- بل لكل عاقل الإجابة عليه [1] .
رابعًا: نماذج لبعض صور العلمانية:
1 -في الحكم والتشريع:
نحيت الشريعة عن الحكم، ولم يبق إلا بعض التصورات الخاطئة؛ لأن الجاهلية الأوروبية هي التي كانت تتولى قيادة الفكر البشري وتوجيه الحضارات الإنسانية؛ ونتيجة لهذا الوضع تسربت العلمانية إلى العالم الإسلامي وانتقضت تلك العروة الكبرى.
فمن الوجهة التشريعية كالقضاء -مثلًا- كان غير منظم من العالم الإسلامي يعتمد على الشروح والحواشي والمختصرات المتأخرة التي كانت أشبه إلى الطلاسم والمعميات .. فنادى المنادون بتجديد الفقه الإسلامي وأنه لا يصلح أن يكون المصدر الوحيد للتشريع فأوجدوا بجانبه القوانين الوضعية، وأهواء ذوي السلطة، وأعراف المجتمع، وتقاليد القبيلة .. إلخ.
2 -في التربية والثقافة:
في فترة الركود العلمي عند المسلمين وجدت أجيال سوغت ذلك العجز في الأمة الإسلامية بصنوف المعاذير ثم استساغت الانغلاق وفسرت الدين نفسه تفسيرًا ضيقًا، وحددت علومه تحديدًا نابعًا من واقعها المظلم لا من حقيقة الدين وجوهره.
ومن هنا فتح المسلمون أعينهم على وسائل جديدة، وإمكانات حديثة تسندها علوم ناهضة، وتعززها بحوث دائبة، وكان من الممكن -عقلًا- أن ينهضوا من كبوتهم مستفيدين مما رأوا ولكنهم -واقعًا- لم يفعلوا ذلك لأنهم:
أولًا: لم يكونوا يملكون القدرة على التمييز وتقدير التجربة حق قدرها.
ثانيًا: كان اقتران العلوم الجديدة بتلك الحملة الصليبية الوحشية التي انتهكت حرمة الأزهر نفسه، دافعًاَ لمقت تلك العلوم ورفضها ..
وهنا استغلت العلمانية الحدث فنشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها.
وهذا ولد بدوره دعوات ونتائج سيئة منها على سبيل المثال:
1.الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغرب وأخذ حضارته دون وعي أو تمييز ..
(1) راجع للتوسع: العلمانية، د. سفر الحوالي، (ص:12) وما بعدها، مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، (ص:445) ، المستقبل لهذا الدين، سيد قطب، (ص:27) تهافت العلمانية، د. عماد الدين خليل، (ص:7) ، لماذا نرفض العلمانية، محمد محمد بدري، (ص:72) ، سقوط العلمانية، أنور الجندي، (ص:18) .