مؤهلة بخلقتها الحالية لإدراك حقائق هذه العوالم على صورها الأصلية، فلو أعطانا الله قوة في البصر، أو انتقلت هذه العوالم عن صورها التي خلقت عليها، بالتمثيل الذي جعلت قادرة عليه لأمكن عندئذ رؤيتها رأي العين، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها مرتين كما في سورة النجم وذلك بقدرة من الله .. [1] .
الوجه الثالث: أن ضعف الإنسان ومحدودية إدراكه تجعله والحالة هذه لا يجزم بوجود شيء أو نفيه؛ وبتصوره أو عدم تصوره، من عالم الغيب والمجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرد أنه خارج عن مألوفنا العقلي، أو تجاربنا المشهودة، ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها؛ فضلًا عن إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا!!
وقد تكون هنالك أسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه؛ فلا يُكْشَف لنا إلا عن صفته أو أثره كالملائكة أو الجن مثلًا- أو مجرد وجوده؛ لأن هذا لا يفيدنا في حياتنا وعبادتنا وطاعتنا لله [2] ..
يجب على المسلم أن يؤمن بالملائكة وبأسمائهم وصفاتهم التي وردت في الكتاب والسنة الصحيحة؛ ومن ذلك الإيمان باسم جبريل وميكائيل: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِن اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) } [البقرة:98] ، وإسرافيل الذي ينفخ في الصور، ومالك خازن النار: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) } [الزخرف:77] ، وغيرهم من الملائكة؛ ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا [3] .
المبحث الرابع: الإيمان بما علمنا من صفاتهم الخَلْقِيَّة والخُلُقِيَّة:
لم يخبرنا الخالق -جل وعلا- عن صفات الملائكة الخَلْقية إلا النزر القليل، ومن ذلك:
1 -أنهم خلقوا قبل آدم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } [البقرة:30] .
2 -المادة التي خلقوا منها هي النور؛ فقد أخرج مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج [4] من نار،
(1) عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة، د. عبد الكريم عبيدات، (ص:122)
(2) في ظلال القرآن، سيد قطب، (6/ 3271) .
(3) راجع: عالم الملائكة الأبرار، د. عمر الأشقر (ص:20) .
(4) المارج: اللهب المختلط بسواد النار.