فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 221

فهو مؤمن موحد سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، جامع بين الإيمان والتنزيه، والدليل على ما ذكر قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } [الشورى:11] . فقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} نفي التمثيل، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } فيه إثبات الصفات على الحقيقة اللائقة بجلاله وعظمته ..

وإذا كان نافي الصفات يضطر إلى الاعتراف بأن الله -جل وعلا- ذات مخالفة لجميع الذوات؛ فعليه أن يعترف بأنه متصف بصفات لا يماثلها شيء من صفات المخلوقين، فصفاته تخالف صفاتهم كمخالفة ذاته -سبحانه- ذواتهم.

فإن قيل: يلزم من إثبات صفة الوجه واليد والاستواء ونحو ذلك مشابهة الخلق؟!

فالجواب: أن وصفه بذلك لا يلزم منه مشابهة الخلق؛ كما لم يلزم من وصفه بالسمع والبصر مشابهة الحوادث التي تسمع وتبصر؛ بل هو متصف بتلك الصفات التي هي صفات كمال وجلال، كما قال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } [الشورى:11] ، من غير مشابهة للخلق ألبتة، فهي ثابتة له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما أن صفات المخلوقين ثابتة لهم حقيقة على الوجه المناسب لهم؛ فبين الصفة والصفة من تنافي الحقيقة ما بين الذات والذات ..

فإن قيل: بينوا لنا كيفية الاتصاف بها لنعقلها؟

قلنا: أعرفتم كيفية الذات المتصفة بها؛ فلا بد أن يقولوا: لا. فنقول: معرفة كيفية الصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات.

فإن قيل: هو ذات لا كالذوات، قلنا: وموصوف بصفات لا كغيرها من الصفات، فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا ولم يحط به شيء: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة:255] [1] .

خامسًا: الفرق الضالة في الأسماء والصفات:

الفرق الإسلامية في مجال الأسماء والصفات أشهرها ثلاث فرق:

الفرقة الأولى: الجهمية، وهم أتباع الجهم بن صفوان، وهؤلاء ينكرون الأسماء والصفات جميعًا.

الفرقة الثانية: المعتزلة، وهم أتباع واصل بن عطاء، الذي اعتزل مجلس الحسن البصري؛ وهؤلاء يثبتون الأسماء والصفات على أنها ألفاظ مجردة عن المعاني، وينفون الصفات كلها.

الفرقة الثالثة: الأشاعرة [2] والماتريدية [3] ، ومن تبعهم وهؤلاء يثبتون الأسماء وبعض الصفات وينفون بعضها؛ أي: أنهم أثبتوا من الصفات سبعًا ونفوا ما عداها؛ والصفات السبع هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.

والشبهة التي بنوا عليها جميعًا مذاهبهم: هي الفرار من تشبيه الله بخلقه بزعمهم؛ لأن المخلوقين يسمون ببعض تلك الأسماء، ويوصفون بتلك الصفات،

(1) راجع: التدمرية: لشيخ الإسلام، (ص:57) تحقيق د. محمد السعوي، ومنهج دراسات لآيات الأسماء والصفات، محمد الأمين الشنقيطي (ص:9) وما بعدها، و (ص:37) وما بعدها.

(2) هم أتباع أبي الحسن الأشعري- قبل رجوعه إلى مذهب السنة- ولم يرجعوا عما رجع عنه؛ فانتسابهم إليه غير صحيح؛ وحقيقة مذهبه في الأسماء والصفات بإمكانك قراءة كتابيه: الإبانة، ومقالات الإسلاميين.

(3) هم أتباع أبي منصور الماتريدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت