فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 221

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) [المؤمنون:84 - 89] ، وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) } [الزخرف:9] ، وقال أيضًا: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) } [الزخرف:87] .

وأمر الرب -سبحانه- شامل للأمر الكوني والأمر الشرعي .. فكما أنه مدبر الكون القاضي فيه بما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، فهو كذلك الحاكم فيه، يشرع العبادات، وأحكام المعاملات، حسب ما تقتضيه حكمته، فمن اتخذ مع الله تعالى مشرعًا في العبادات، أو حاكمًا في المعاملات؛ فقد أشرك به ولم يحقق الإيمان [1] .

ولهذا أقر الكفار بتوحيد الربوبية، ولم يدخلهم في الإسلام، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم.

إن من أقر بتوحيد الربوبية لله، فاعترف بأنه لا خالق إلا الله، ولا رازق ولا مدبر للكون إلا الله عز وجل لزمه أن يقر بأنه لا يستحق العبادة بجميع أنواعها إلا الله، وهذا هو توحيد الألوهية -كما سيأتي معنا بيانه- [2] فإن الألوهية هي العبادة، فلإله معناه المعبود، فلا يُدعى إلا الله، ولا يستعان إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا تذبح القرابين وتنذر النذور ولا تصرف جميع أنواع العبادة إلا له؛ فتوحيد الربوبية دليل لوجوب توحيد الألوهية، ولهذا كثيرًا ما يحتج الله تعالى على المنكرين لتوحيد الألوهية بما أقروا به من توحيد الربوبية، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } [البقرة:21 - 22] .

فأمرهم بتوحيد الألوهية وهو عبادته، واحتج عليهم بتوحيد الربوبية من خلق الناس الأولين والآخرين، وخلق السماء والأرض وما فيها، وتسخير الرياح وإنزال المطر، وإنبات النبات وإخراج الثمرات التي هي رزق العباد، فلا يليق بهم أن يشركوا معه غيره، ممن يعلمون أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، ولا من غيره، فالطريق الفطري لإثبات توحيد الألوهية: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية؛ فإن الإنسان يتعلق أولًا بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضره؛ ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه، وترضيه عنه، وتوثق الصلة بينه وبينه، فتوحيد الربوبية باب لتوحيد الألوهية؛ ومن أجل ذلك احتج الله على المشركين بهذه الطريقة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحتج بها عليهم، قال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام:102] ، فاحتج بتفرده بالربوبية على استحقاقه للعبادة، وتوحيد الألوهية هو الذي خلق من أجله، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) }

(1) شرح الأصول الثلاثة، محمد بن عثيمين، (ص:85) .

(2) انظر (ص:) من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت