فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 221

والرهبة، والخوف، والمحبة، والرجاء، ونحو ذلك [1] .

وإذا كان توحيد الألوهية هو توحيد العبادة؛ لأن الألوهية هي العبادة؛ فإن هذا يدعونا إلى الحديث عن العبادة من ناحية:

أولًا: معنى العبادة:

العبادة لغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، وأصل العبودية: الذل والخضوع. والعبادة: الطاعة والتعبد والتنسك [2] .

أما العبادة اصطلاحًا فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة [3] .

وممكن أن يقال في تعريف العبادة: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، مع كمال المحبة، والذل، والخضوع، والبراءة مما ينافي ذلك ويضاده» .

فيكون بذلك تعريفًا مانعًا جامعًا، وهو المختار؛ لاشتماله على المراد بالعبادة ... وعلى هذا فالعبادة بهذا المفهوم هي الدين كله، فهي تشمل جميع جوانب الحياة المختلفة، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام:162 - 163] .

وبهذا ندرك أن حقيقة العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين:

الأول: هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرًا ونهيًا، وتحليلًا وتحريمًا، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله.

فليس عبدًا ولا عابدًا لله من رفض الاستسلام لأمره، واستكبر عن اتباع منهجه، والانقياد لشرعه، وإن أقر بأن الله خالقه ورازقه، فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عبادًا لله طائعين، فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي، بل لا بد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية، وبهذا يتحقق {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة:5] .

الثاني: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يحب الله تعالى فليس في الوجود من هو أجدر من الله بأن يُحب، فهو صاحب الفضل والإحسان، الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئًا مذكورًا، وخلق ما في السموات والأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلقه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته ...

فمن عرف الله أحبه، وبقدر درجته في المعرفة تكون درجته في المحبة؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الناس حبًا لله؛ لأنه كان أعرفهم بالله، وكانت قرة عينيه في الصلاة؛ لأنها الصلة المباشرة بين قلبه وبين الله، وكان في دعائه يسأل الشوق إلى لقائه، ولذة النظر إلى وجهه سبحانه، ولما خير بين البقاء في الدنيا وبين اللحوق

(1) انظر: المدخل لدراسة العقيدة، د. إبراهيم البريكان، (ص:112) ، وحقيقة التوحيد والفرق بين الربوبية والألوهية، د. علي نفيع العلياني، (ص:114) .

(2) لسان العرب، مادة (عبد) (9/ 11) والمعجم الوسيط، مادة (عبد) (ص:579) .

(3) انظر: العبودية لابن تيمية، (ص:31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت