فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 221

ومما هو جدير بالذكر، أن الفقه الإسلامي يفرق في صدد حرية الرأي بين الأمور ذات الصبغة الدينية، والأمور غير ذات الصبغة الدينية.

فبالنسبة للأمور الدينية لكل مجتهد أن يدلي برأيه في غير موضع النص، ما دام ملتزمًا بأصول الدين الكلية، فلا يخرج عليها، أو يحيد عنها.

أما بالنسبة للأمور غير ذات الصبغة الدينية فللإنسان كامل الحرية أن يبدي من الآراء ما يشاء، ولكن دون عدوان أو إضرار بالمصلحة العامة أو بمصلحة الأفراد، فلا يكون ذلك التعبير مسيئًا إلى الآخرين، أو كاذبًا في تعبيره، بل يسعى لإظهار الحق و إلى البناء والخير.

إن الناس في نظر الإسلام سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، ولا تمييز إلا بالتقوى والعمل الصالح الذي ينفع المجتمع، ولا يعرف الإسلام أي لون من ألوان التمييز العنصري بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو الدم أو الطبقة أو غير ذلك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا (( (( (( (( (( (( لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13) } [الحجرات:13] .

والإسلام يتعامل مع الناس باعتبار انتمائهم الواحد إلى إنسانيتهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) } [النساء:1] .

وقد قرر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المساواة بين الناس، وأعلن وحدة الجنس البشري كما جاء في خطبة الوداع حيث قال «يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي فضل على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى» .

وقد مر رجل من وجهاء الناس أمام مجلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل أصحابه قائلًا: «ما ترون في هذا؟ قالوا: رجل من أشرف الناس، وهو حري إن خطب أن يزوج، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر فسألهم: ما ترون في هذا؟ فقالوا: هذا من فقراء المسلمين، وهو حري إن خطب ألا يزوج، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» [1] ، والمساواة في الإسلام حق كامل للنساء والرجال، وللصغير والكبير، للمسلم وغير المسلم، ولا يعتقد أحد أن هذا الحق للمسلم فقط، فقد حفظ الإسلام لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي حقوقهم، فقد غضب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من قاضيه حين فرق بينه وبين خصمه اليهودي حين دعا عليًا بقوله: يا أبا الحسن، ودعا خصمه بقوله: يا فلان!

وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يلتقي بشيخ كبير يسأل الناس الحاجة، فقال له عمر - رضي الله عنه: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فسأله: ما ألجأك إلى السؤال؟! فقال: الحاجة والجزية، فالتفت عمر إلى من كان معه وقال: والله ما أنصفناه!!

(1) أخرجه البخاري في الحدود (5/ 1958، 2369) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت