فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 221

للمرأة اليهودية أو النصرانية أن تبقى على دينها وهي زوجة المسلم وأم أولاده، قال تعالى:

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة:5] .

واحترامًا لحرية المرأة المسلمة في العقيدة، حرم الإسلام زواج المسلمة من رجل من أهل الكتاب؛ لأنه قد يتناولها بالتجريح والإساءة لدينها، فهو لا يؤمن به بل هو كافر به، وهذا المسلك لا ينتظر من مسلم يتزوج كتابية؛ لأنه يؤمن بدينها كما يؤمن بدينه.

ب- حرية الرأي والفكر:

لقد أعطى الإسلام للإنسان حق تبني الرأي الذي يراه مناسبًا، وشجعه على التفكير، وحثه على التعبير عن الرأي، واعتبر ذلك عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه ابتغاء مرضاته، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم» [1] .

وحين أراد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب منع المغالاة في المهور، تصدت له امرأة على رؤوس الأشهاد، وساقت إليه الدليل الشرعي، فلم يزد الخليفة على أن قال: أخطأ عمر وأصابت امرأة.

وقال له صحابي يومًا وهو على المنبر: لو نعلم فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا .. فلم يزد أن قال: الحمد لله أن وُجد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقوم اعوجاج عمر.

إن حرية الرأي وسيلة لإصلاح الأخطاء كما أنها وسيلة لتطوير المجتمع وتقدمه، وحرية الرأي في الإسلام لا تقوم على مصادرة رأي الآخرين، بل تقوم على سماعها واحترامها وقبولها إن كانت مفيدة، وما أجمل قول الشافعي - رضي الله عنه: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» .

أما الشرائع الأخرى فهيهات هيهات أن تبلغ معشار ما بلغته الشريعة الإسلامية، فهاكم أوروبا على سبيل المثال، لم تعرف تحرير الفكر وإطلاق سلطان العقل قبل الثورة الفرنسية، حتى إن فولتير وروسو اللذين كدحا في هذا المضمار كدحًا لم يفلتا من اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية تارة، ومن اضطهاد الدولة تارة أخرى، حتى إنه لما آل السلطان إلى الكنيسة، وكانت لا تقر فكرًا لمفكر أو نظرية لعالم، إلا إذا صادف ذلك رغبتها واتجاهاتها الفكرية، فحين اخترع شخص ألماني مصباحًا يعمل بالجاز، حكمت الكنيسة بكفره؛ لأنه خالف إرادة الرب في أن يجعل الليل المظلم منورًا. وعندما قال العلماء بكروية الأرض ثارت الكنيسة وعرضتهم على محاكم التفتيش الدينية، التي راحت تحكم بقتلهم، وقدر عدد من عرض على هذه المحاكم السيئة أكثر من (350) ألف إنسان، بينهم الكثير من مسلمي الأندلس.

ولم يكن حظ الإنسان من هذه الحرية في الحضارات القديمة بأحسن من ذلك، فقد قتل سقراط ضحية آرائه التي لم تلق تأييد السلطة آنذاك، وأرسطو نفسه ذلك الفيلسوف الذي أثر بفكره على الإنسانية جمعاء، لم يجد بدًا أمام الاستبداد السياسي وقهر رجال السلطة، إلا أن يأوي إلى كهف يعصمه من الاضطهاد الفكري، فانزوى في مخبئه حتى مات.

(1) رواه مسلم. (2/ 37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت