وتعني أن الثقافة الإسلامية في تصورها للقضايا التي تدرسها تنطلق من شمولية الإسلام للإنسان والكون والحياة، فهو يشمل الإنسان روحًا وجسدًا وعقلًا، ويشمل الحياة الدنيا والآخرة، ويشمل العمل للدنيا والآخرة في ذات الوقت، ويشمل الفرد والجماعة والأمة في الوقت ذاته، ويشمل علاقات الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين، وفي مجال الاعتقاد يشمل الإيمان بالله وباليوم الآخر والإيمان بالملائكة والكتب السماوية والرسل والقضاء والقدر، وبهذه الدائرة الكبيرة من الشمول ينتهي التناقض الذي أقامته التصورات الخاطئة المنحرفة في الثقافات الأخرى والتي تركز على جانب من الجوانب، حيث قسمت الإنسان إلى قسمين: بين الدنيا والآخرة، أو بين الجسد والروح، أو بين خصائصه الفردية ونزعاته الاجتماعية، الأمر الذي يدفع بالنفس إلى الحيرة والقلق والاضطراب.
كما قلنا: إن الثقافة الإسلامية تعتمد على شمول الإسلام للإنسان والحياة والعمل والكائن البشري والعلاقات والاعتقاد فكل هذه الدوائر تكمل بعضها بعضًا، فهناك تكامل بين الجسد والروح وبين الدنيا والآخرة وبين الفرد والجماعة والأمة، وهناك تكامل أيضًا بين علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين، وهي في الوقت ذاته مترابطة فيما بينها البين.
وتعني أن الثقافة الإسلامية أقامت توازنًا رائعًا بين مطالب المادة والروح، وبين الحياة الدنيا والآخرة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الأخذ بالأسباب والإيمان بالقدر، فلا يطغى عنصر على عنصر آخر كما في سائر الثقافات الأخرى، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) } [القصص:77] يراد لنا ألا نسخر كل طاقاتنا من أجل التنافس الوحشي على المكاسب والمنافع المادية الخاصة من دون أية مراعاة لقوانين الحياة والطبيعة الإنسانية التي أمرنا الله تعالى أن نعمل بها ونسير بهديها في أداء متكامل وواع لا يفسد الآخرة، ولا يؤدي إلى التهلكة والانزلاق إلى متاهات وانفلات الغريزة.
وتعني هذه الخاصية أن الثقافة الإسلامية تنظر إلى الناس بمقياس واحد، لا تفسده القومية أو العنصرية أو الجنس أو اللون، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا (( (( (( (( (( (( لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] .
كما تعني أنها عالمية، غير منحصرة في مكان أو زمان أو خاصة بأمة دون أخرى، وإنما هي لكل البشر؛ لأن رسالة الإسلام جاءت رحمة للعالمين ولهداية كل