فيلزم من الاشتراك في الاسم والصفة ومعناهما: الاشتراك في حقيقتهما، وهذا يلزم منه تشبيه المخلوق بالخالق في نظرهم، والتزموا حيال ذلك أحد أمرين:
الأول: إما تأويل نصوص الأسماء والصفات على ظاهرها، كتأويل الوجه بالذات، واليد بالنعمة.
الثاني: وإما تفويض معاني هذه النصوص إلى الله، فيقولون: الله أعلم بمراده منها؛ مع اعتقادهم أنها ليست على ظاهرها.
والرد على هؤلاء جميعًا من وجوه:
الوجه الأول: أن الله - سبحانه وتعالى - أثبت لنفسه الأسماء والصفات، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم فنفيها عن الله أو نفي بعضها، نفي لما أثبته ورسوله، وهذا محاداة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أنه لا يلزم من وجود هذه الصفات في المخلوقين، أو من تَسَمِّيْ بعض المخلوقين بشيء من تلك الأسماء المشابهة بين الله وخلقه، فإن لله -سبحانه- أسماء وصفات تخصه، وللمخلوقين أسماء وصفات تخصهم؛ فكما أن لله -سبحانه- ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين، فله أسماء وصفات لا تشبه أسماء المخلوقين وصفاتهم، والاشتراك في الاسم والمعنى العام لا يوجب الاشتراك في الحقيقة .. فقد سمى الله نفسه سميعًا بصيرًا فقال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) } [النساء:58] ، وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) } [الإنسان:2] ، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير، وعلى مثله فقس ..
الوجه الثالث: أن الذي ليس له صفات كمال، لا يصلح أن يكون إلهًا، ولهذا قال إبراهيم - عليها السلام - لأبيه: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} [مريم:42] ، وقال في الرد على الذين عبدوا العجل: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) } [الأعراف:148] .
الوجه الرابع: أن إثبات الصفات كمال، ونفيها نقص، فالذي ليس له صفات إما معدوم وإما ناقص، والله منزه عن ذلك.
الوجه الخامس: نقول للجهمي: إذا قال لنا: كيف استوى؟ أو كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ أو كيف وجهه؟ ونحو ذلك، نقول له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، فقل له: والعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف؛ فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة الموصوف ولم تعلم كيفيته.
بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، ولقد أخبر الله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17] .
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه «في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» [1] . فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله كذلك لا يمكن العلم
(1) أخرجه البخاري (3/ 1185، 4/ 1794، 6/ 2723) ، ومسلم (4/ 2174) .