وشره» [1] .
فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه شك، ومن هنا كان إنكار وجودهم كفرًا بإجماع المسلمين؛ بل بنص القرآن العظيم: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) } [النساء:136] .
وقد أنكر قوم كون الملائكة أجسامًا؛ وقالوا: إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات .. وهذا نص قول أحدهم حيث يقول: إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم وقد أسندا إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير تسمى إلهامًا، وخواطر الشر تسمى وسوسة؛ كل منهما محله الروح؛ فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس، فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا .. ويتابع فيقول: أفلا تزعم أن لله ملائكة في الأرض وملائكة في السماء؟ هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟ وهل حددت أمكنتها ورسمت مساكنها؟ وهل عرفت أين يجلس من يكون منهم على يمنيك ومن يكون منهم على يسارك؟ هل ترى أجساهم النورانية تضيء لك الظلام؟ أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟ فلو ركنت إلى أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك وما بين يديك وما خلفك، وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك؛ وبالعبارة التي تلقنتها عنهم؛ كيلا يوحشك بما يدهشك وترك لك النظر فيما تطمئن إليه نفسك من وجوه تعرفها، أفلا يكون ذلك أروح لنفسك وأدعى إلى طمأنينة عقلك ... [2] .
والرد على هذا القول من وجوه:
الأول: أن في هذا تكذيب لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر:1] ، وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال:50] .
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة، يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام؛ طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر» [3] .
وهذه النصوص صريحة أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية كما قال البعض .. وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون [4] .
الوجه الثاني: أن علم الإنسان قاصر عن كشف حقائق الوجود وعوالمه؛ فكم من حقائق ظهرت بعد أن كانت في عالم الخفاء، حيث أصبحت حقائق ملموسة لا يشك الإنسان بوجودها .. كالجاذبية وعالم الجراثيم .. وحواس الإنسان الآن غير
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب (1) تعريف الإسلام .. (1/ 37) حديث رقم (1) .
(2) انظر: تفسير المنار (1/ 267، 273) وقائل هذا القول هو الأستاذ محمد عبده، نقله عنه تلميذه محمد رشيد رضا.
(3) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الجمعة باب: الاستماع إلى الخطبة (31) (1/ 122) ومسلم في كتاب الجمعة باب: فضل التهجير يوم الجمعة (7) (1/ 587) حديث رقم (24) .
(4) شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين (ص:93) .