يكونوا أقوياء، ولكنهم يختارون التخاذل؛ وفي إمكانهم أن يكونوا مرهوبي الجانب، ولكنهم يختارون الجبن والمهانة .. هؤلاء يهربون من العبودية لله والعزة والكرامة له حتى لا يكلفهم الإيمان بالله التكاليف؛ فإذا هم يؤدون للذل والقلق والفزع ثمرة عدم الإيمان بالله ..
إنه لا بد من ثمرة يؤديها الأفراد والجماعات، ثمرة الإيمان بالله والطاعة والراحة والطمأنينة؛ لأن المرء يشعر [1] حينئذ أن الله خالقه ولن يخذله كما ورد في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي؛ فإذا امرأة من السبي تبتغي [2] إذا وجدت صبيًا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله! وهي تقدر أن لا تطرحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها» [3] .
وخلاصة القول: إذا لم يكن إيمان بالله؛ فإن الناس يؤدون ثمرة بعدهم عن الإيمان به؛ ومن ثم الذل والمهانة والعبودية لغيره؛ والتجارب تنطق بهذه الحقيقة التي لا مفر منها ولا فكاك.
ونضرب مثالًا واحدًا على ذلك، فهذا الشاعر المهجري الكبير إيليا أبو ماضي [4] يصور لنا ما قلناه تمامًا في قصيدته الموسومة بـ (الطلاسم) في ديوانه الجداول؛ حيث يقول [5] :
جئت لا أعلم من أين؟ ولكني أتيتُ
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيتُ
وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجودْ
هل أنا حر طليق أم أسير في قيودْ
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقودْ
أتمنى أنني أدري ولكن
لست أدري!
وطريقي ما طريقي! أطويل أم قصيرْ؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغورْ
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسيرْ
أما كلانا واقف والدهر يجري؟
لست أدري!
(1) انظر: دراسات إسلامية، سيد قطب، (ص:124) وما بعدها.
(2) تبتغي من الابتغاء وهو الطلب، أي تطلب.
(3) أخرجه البخاري كتاب الأدب باب (18) رحمة الوالد وتقبيله ومعانقته. (7/ 74) ، ومسلم في كتاب التوبة باب (4) سعة رحمة الله، حديث رقم (22) (3/ 2109) .
(4) إيليا بن صاهر أبي ماضي: كان من كبار شعراء المهجر، ولد في لبنان (1900) له عدة دواوين (راجع الأعلام(2/ 35) .
(5) ديواني أبي ماضي (ص:291، 292، 200، 202) .