فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 221

تتخذ المنظمات الغربية العاملة في مجال الإنسان -على رأسها (منظمة العفو الدولية) ومقرها في لندن وفروعها في عدد من دول العالم، (منظمة مراقبة حقوق الإنسان) الأمريكية المنشأ والمقر- من شعار حقوق الإنسان أداة لغزو فكري منظم، خطط له بعناية؛ لضرب القيم الأخلاقية والاجتماعية، ولمحو الثقافات المخالفة للثقافة الغربية بدعوى العولمة والقرية الكونية الواحدة، ووسيلة للتدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلدان.

فالمقصود بالحقوق عند تلك المنظمات هو حقوق إنسان بعينه أو مجموعات محددة دون غيرها، كما أن المقصود حقوق وفق مبادئ معينة (علمانية) دون مبادئ أخرى.

وبعبارة أخرى فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قام على أسس من القيم الغربية، ولم يراع خصوصيات القيم الأخرى التي تختلف مع القيم الغربية، ومن ثم تبدو مختلفة ومتناقضة أحيانًا مع مبادئ حقوق الإنسان التي يصر عليها المفهوم الغربي، ومن الأمثلة على ذلك [1] :

الخمر محرم في الإسلام، ويعاقب عليه من شربه، بينما الخمر في القيم الغربية مقبول، والسكر غير منهي عنه ... وفي عرفهم أن تحريم الخمر ضد حقوق الإنسان.

البغاء عندهم مباح، وبيوت الغواني ينادى إليها بمكبرات الصوت في الشوارع، بينما لا يستطيع المسجد هناك أن يجهر بالأذان للصلاة ... فهم يعتبرون البغاء من حقوق الإنسان، ويعتبرون الأذان ضوضاء ضد حقوق الإنسان.

وقس على ذلك: الشذوذ الجنسي، الزنا، الحجاب.

فالدين عندهم بصفة عامة مسألة شخصية واختيار، بينما الدين عندنا نظام حياة والتزام مجتمع، وله قواعد وضوابط تحرمها الدولة، وتقوم على تنفيذها الأجهزة المسؤولة، والقضاء يحاكم من يشوهون الدين وينحرفون عنه، وهذه نقطة اختلاف كانت وستظل مثار جدل، ولا سبيل للتلاقي إلا إذا فهموها.

كذلك تنفيذ حدود الله عندنا هي عبادة وطاعة، وهي عندهم أصبحت مضادة لحقوق الإنسان؛ لأنها تنطوي على وحشية وقسوة.

وهكذا نستطيع أن نسرد عشرات الأمثلة التي تقتضي الاعتراف باختلاف المعايير.

وخلاصة القول: إن هناك بالفعل قيمًا مختلف عليها بيننا وبينهم في مجال حقوق الإنسان وغيره من المجالات، ولا سبيل أمامهم وأمامنا إلا التفاهم وتقدير الخصوصيات حتى نتعايش في سلام بدلًا من التنافر والتناحر.

إن المجتمعات لا يكمن أن تتطابق في بيئتها الثقافية والدينية وفي مصالحها وتراثها، وعدم التطابق هذا هو الذي يخلق الاختلاف والتنوع، ويدفع إلى التباعد والتناحر، لكن تلك المجتمعات تستطيع متى بلغت الرشد والنضج والتحضر أن تتجه إلى التعارف والتفاهم والاحترام المتبادل بدلًا من الصراع والعداوة والبغضاء.

وقد أمرنا القرآن الكريم أن نقوم علاقاتنا مع الغير على أساس التعارف

(1) انظر: مؤمن الهباء، المسلمون والغرب صراع أم حوار- مجلة الجديد، العدد (3) صيف (2003) (ص: 28 - 29) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت