فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 221

ولا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتألق والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض، يمنع منعًا باتًا أن يكون وجودها صدفة؛ إذ الموجود صدفة ليس على نظام أصل وجوده، فكيف يكون منتظمًا حال بقائه وتطوره؟!

وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة، تعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.

وقد ذكر الله هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال تعالى:

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) } [الطور:35] ، ففي هذه الآية الكريمة دليل عقلي، فوجودهم هكذا من غير شيء أمر ينكره منطق العقل ابتداء؛ ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل.

وأما أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم فأمر لم يدعوه ولا يدعيه مخلوق. وإذا كان هذان الفرضان لا يقومان بحكم منطق الفطرة والعقل؛ فإنه لا يبقى إلا الحقيقة التي يقولها القرآن، وهي أنهم جميعًا من خلق الله الواحد الذي لا يشاركه أحد في الخلق والإنشاء، فلا يجوز أن يشاركه أحد في الربوبية والعبادة .. وهو منطق واضح بسيط.

كذلك يواجههم بوجود السماوات والأرض حيالهم، فهل هم خلقوها! فإنها لم تخلق نفسها، أو خلقت من غير خالق، وهم كذلك لا يدعون أنهم خلقوها ... وهي قائمة حيالهم .. سؤالًا حيًا يتطلب جوابًا على وجوده [1] ؟! ولهذا لما سمع جبير بن مطعم - رضي الله عنه - رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) } [الطور:35 - 36] ، وكان جبير يومئذ مشركًا؛ قال: «كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي» [2] .

ويضرب لذلك مثلًا هو: أنه لو حدثك شخص عن قصر مشيد أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، وملئ بالفرش والأسرة، وزين بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك شخص: إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثه سفيهًا من القول، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه، وسمائه، وأفلاكه، وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه أو وجد صدفة بدون موجد؟!

3 -وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى [3] :

فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما

(1) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، (6/ 3399) .

(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (12) .

(3) انظر: شرح الأصول الثلاثة، محمد بن عثيمين، (ص:82) ، العقيدة الصافية للفرقة الناجية، سيد سعيد عبد الغني، (ص:55) ، مقرر التوحيد، د. عبد العزيز العبد اللطيف، (ص:42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت