دعوا إلى عبادة الله، وكما يحسب كثير من المتدينين أنهم إذا قاموا بهذه الشعائر فقد وفوا الإلهية حقها، وقاموا بواجب العبودية لله كاملًا.
إن هذه الشعائر العظيمة والأركان الأساسية في بناء الإسلام - على منزلتها وأهميتها- إنما هي جزء من العبادة لله، وليست هي كل العبادة التي يريدها الله من عباده.
والحق أن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان، وجعلها غايته في الحياة، ومهمته في الأرض، دائرة رحبة واسعة؛ فهي تشمل شئون الإنسان كلها، وتستوعب حياته جميعًا [1] . إنها غاية الوجود الإنساني كله كما نفهم من قوله الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] .
ولا أدري كيف انحسر مفهوم العبادة لدى بعض الناس -اليوم- من مفهوم شامل إلى مجرد عبادات تؤدى على نحو من الأنحاء .. كيف أمكن للمسلم أن يتصور أنه يستطيع أن يخالف تعاليم الإسلام وعبادة الله في كل شيء، فيخون أماناته كلها، فيغش ويكذب ويخون ويخدع، ويتجاوز المتاع المباح إلى المتعة المحرمة، ويقبل الذل والمهانة حرصًا على هذا المتاع .. ثم يتصور بعد ذلك أن بضع ركعات في النهار -مخلصة أو غير مخلصة، تامة أو غير تامة - يمكن أن تسقط عنه تبعاته أمام الله وتسلكه في عداد المسلمين؟! وأنه قام بالعبادة كاملة .. [2] .
كم تستغرق الشعائر من اليوم والليلة؟ وكم تستغرق من عمر الإنسان؟
وبقية العمر؟ وبقية الطاقة؟ وبقية الوقت أين تنفق وأين تذهب؟ تنفق في العبادة أم في غير العبادة؟ وإن كانت في غير العبادة فكيف تحقق غاية الوجود الإنساني التي حصرتها الآية: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] حصرًا كاملًا في عبادة الله؟! وكيف يجوز للإنسان -من عند نفسه- أن يجعل لوجوده أو الجزء من الوجود غاية لم يأذن بها الله؟ [3] .
الذين حصروا مفهوم العبادة في جزء يسير من نشاط الإنسان ماذا يفعلون مع الآية الكريمة: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام:162 - 163] تلك هي العبادة التي كلف بها الإنسان، تشمل الصلاة والنسك -الشعائر التعبدية- وتشمل معها كل الحياة .. هذا هو الفهم الصحيح لمفهوم العبادة ...
لم تحصر العبادة قط في داخل الشعائر التعبدية، بحيث تصبح اللحظات التي يقومون فيها بأداء الشعائر التعبدية هي وحدها لحظات العبادة، وتكون بقية حياتهم (خارج العبادة) ؟!
إن المفهوم الشامل للعبادة: هي تجرد كامل لله؛ بكل خالجة في القلب، وبكل حركة في الحياة، بالصلاة والاعتكاف، بالمحيا والممات، بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية؛ وبالممات وما وراءه [4] .
إن العبودية الكاملة: تجمع بين الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات، فكل جزء وكل حركة وكل نشاط هو عبادة ..
(1) العبادة في الإسلام، د. يوسف القرضاوي، (ص:52) .
(2) راجع: هل نحن مسلمون، محمد قطب، (ص:10) وما بعدها.
(3) انظر: مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، (ص:175) .
(4) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، (3/ 124) .