انظر إلى ضلالات البشرية في جاهلياتها المختلفة؟
مرة تصورته في قرص الشمس كما فعلت الجاهلية الفرعونية، ومرة تصورته في النار الملتهبة كما فعلت الجاهلية الفارسية، ومرة تصورته على هيئة بشر ذي خصائص فائقة كما فعلت الجاهلية اليونانية والرومانية.
ولا يقل عن ذلك ضلالًا ما تصورته الجاهليات المختلفة من وجود أرباب صغيرة مع رب الأرباب، تقوم ببعض اختصاصه -سبحانه- فإله للمطر، وإله للبرق وإله للرعد، وإله للريح ..
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] . والسبب هي أن هذه الجاهليات استرشدت بخيالها وأهوائها وعلمها القاصر، ولم تأخذ الحق من طريقه الصحيح المعتمد من عند الله، وهو طريق الرسل الموحى إليهم بالحق [1] .
إذن هنا تكمن أهمية الإيمان بالرسل؛ وأنه يستحيل للبشرية -كما يثبت لك الواقع التاريخي- أن تهتدي إلى الحق في شأن الألوهية وفي شأن العبودية إلا عن طريق ذلك المصدر الموثق وهم الرسل المرسلون من عند الله [2] .
أما الواجب علينا نحو الرسل فهو الآتي:
1 -يجب علينا تصديق رسل الله جميعًا، بعد الإيمان بهم وبرسالتهم وأن لا نفرق بينهم، فمن فرق بين رسل الله، فآمن ببعضهم وكفر بالآخرين، أو صدق بعضهم وكذب بعضًا، كان من الكافرين، بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء:151] .
2 -كما يجب علينا أن نؤمن أن كل رسول أرسله الله أدى أمانته، وبلغ رسالته على الوجه الأكمل، وبينها بيانًا واضحًا كافيًا.
3 -كما يجب علينا طاعتهم وعدم مخالفتهم؛ لأن ذلك من طاعة الله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء:64] .
4 -كما يجب علينا أن نعتقد بأنهم أكمل خلقًا وعلمًا وعملًا وفضلًا وصدقًا، وأن الله ميزهم بفضائل لا تتوفر لغيرهم، وأنه عصمهم، ونزههم عن الكذب والخيانة والكتمان.
5 -كما يجب علينا أن نؤمن بأن رسل الله جميعًا كانوا رجالًا من البشر فلم يكونوا من الملائكة، ولم يبعث الله أنثى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف:109] .
6 -كما يجب علينا أن نؤمن أن الله - سبحانه وتعالى - لم يخصهم بطبائع أخرى غير الطبائع
(1) ركائز الإيمان، محمد قطب، (ص:225) ، وما بعدها.
(2) المصدر السابق (ص:227) .