إليهم، وشرحه وبيانه، وتعريف الناس بطريقة تطبيقه وتدريبهم على ذلك، كما يفعل المعلم مع تلاميذه حتى يطمئنوا أن أتباعهم قد وعوا ما أنزل الله وعيًا صحيحًا، وطبقوه التطبيق الصحيح.
ولا تقتصر مهمة الرسل على التعريف والتعليم؛ على ما لهذا الأمر من أهمية بالغة في حياة الناس؛ بل تمتد إلى التربية. فليس دون الله معلومات تلقى ثم تحفظ. إنما هو سلوك عملي بمقتضى التعليم الرباني، والسلوك العملي لا يكتسب فجأة، ولا يكتسب بغير جهد يبذله المربي والمتلقي على حد سواء ..
ووسيلة الرسل في تربية أتباعهم وتقويم نفوسهم تقوم على الآتي:
أ- تبدأ من ذات أنفسهم -أي الرسل- بأن يكونوا هم أنفسهم القدوة الكاملة في كل ما يدعون الناس إلى اتباعه. سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «كان خلقه القرآن» [1] ، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } [القلم:4] .
ب- التربية تحتاج إلى الصبر والحلم وسعة الصدر: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28] .
ج- تحتاج تربية الناس إلى التذكير الدائم: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) } [الذاريات:55] .
د- تحتاج إلى معايشة الناس ومصاحبتهم وملازمتهم لا العزلة والانقطاع عنهم، حتى تقدم التوجيهات والتعليمات في المناسبات، وتتم الملاحظة والمتابعة المطلوبة التي لا بد منها؛ حتى يستقيم الناس على الحق المطلوب، وتكون هناك فرصة لبذر العادات الصالحات في نفوسهم .. وهذا ما شاهدناه في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وتحتاج التربية -أيضًا- إلى معرفة بطبائع النفوس ومداخلها لتقديم التوجيه المناسب لها بالطريقة التي تقومها ولا تنفرها: «حدثوا الناس بما يعرفون» [2] ، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة» [3] [4] ..
3 -ومن مهام الرسل ووظائفهم كذلك: تعريف الناس بالحقائق الحقيقية التي تستحق الاعتبار، وتستحق أن يحرص الناس ويسعوا إلى تحصيلها.
إن الناس بطبيعتهم منجذبون إلى متاع الأرض: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) } [آل عمران:14] ، وهم يحتاجون دائمًا إلى من يرفعهم من ثقلة الأرض هذه، ويبصرهم بالقيم العليا التي
(1) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب (18) جامع .. حديث رقم (139) (1/ 512) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب العلم با ب (49) من خص بالعلم. (1/ 41) .
(3) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب (12) من جعل لأهل العلم .. (1/ 25) ، ومسلم في كتاب المنافقين باب (19) الاقتصاد في الموعظة (3/ 172) حديث (82) .
(4) راجع: ركائز الإيمان، محمد قطب، (ص:246 - 254) .