فالجهادُ في سبيل الله دعاء للمعرضين عن الله إلى الرجوع إليه بالسَّيفِ والسِّنان بعد دعائهم إليه بالحجَّةِ والبرهانِ، فالمحبُّ لله: يحبُّ اجتلابَ الخلق كلِّهم إلى بابه؛ فمن لم يُجبِ الدعوةَ باللين والرِّفق، احتاج إلى الدعوة بالشدّة والعنف: (( عَجِبَ رَبُّنَا - عز وجل - مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلاسِلِ ) ) [1] .
{وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} ؛ إذ لا همَّ للمحبِّ غير ما يُرضي حبيبه، رضي من رضي، وسَخِطَ من سخط، ومن خاف الملامة في هوى من يُحبُّه، فليس بصادقٍ في المحبَّةِ.
وقوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ، يعني درجة الذين يُحبهم ويُحبونه بأوصافهم المذكورة، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} : واسعُ العطاءِ، عليمٌ بمن يستحقُّ الفضل: فيمنحه، ومن لا يستحقُّه: فيمنعه.
وكان من دعائه 4: (( اللهم ارزقني حبَّك وحبَّ من ينفعني حبُّه عندكَ، اللهمَّ ما رزقتني مما أحبُّ فاجعله قوَّةً لي فيما تُحِبُّ، اللهمَّ ما زَويتَ عني مما أحبُّ فاجعله فراغًا لي فيما تُحِبُّ ) ) [2] .
فأهلُ هذه الدرجة مِنَ المقرَّبين ليس لهم همٌّ إلاَّ فيما يُقرِّبُهم ممن يُحبهم.
قال فتح الموصليُّ [3] : (( المحبُّ لا يجد مع حبِّ الله - عز وجل - للدنيا لَذَّةً، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عينٍ ) ).
وقال محمدُ بن النضر الحارثي [4] : (( ما يكادُ يملُّ القربةَ إلى الله تعالى محبٌّ لله - عز وجل -، وما
(1) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: الجهاد، باب: الأسير يوثق، برقم: (2677) ، (3/ 56) .
(2) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، برقم: (3491) ، (5/ 523) ، وقال: (( هذا حديث حسن غريب ) ).
(3) فتح بن سعيد الموصلي، أبو نصر، الولي الزاهد، توفي: سنة عشرين ومائتين، سير أعلام النبلاء (10/ 483) .
(4) محمد بن النضر أبو عبد الرحمن الحارثي الكوفي، عابد أهل زمانه، سير أعلام النبلاء (8/ 175) .