فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 269

فإذا ذاق حلاوة هذا القرب الثاني: أسرع المشي حينئذ إلى ربه، فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولة، وهاهنا منتهى الحديث، منبهًا على أنَّه إذا هرول عبده إليه كان قرب حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه، فإما أن يكون قد أمسك عن ذلك لعظيم شاهد الجزاء، أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، أو إحالة له على المراتب المتقدمة، فكأنه قيل له: وقس على هذا، فعلى قدر ما تبذل منك متقربا إلى ربك: يتقرب إليك بأكثر منه، وعلى هذا فلازم هذا التقرب المذكور في مراتبه؛ أي: من تقرب إلى حبيبه بروحه وجميع قواه، وإرادته وأقواله وأعماله: تقرب الرب منه سبحانه بنفسه في مقابلة تقرب عبده إليه.

وليس القرب في هذه المراتب كلها قرب مسافة حسية ولا مماسة، بل هو قرب حقيقي، والرب تعالى فوق سماواته على عرشه، والعبد في الأرض.

وهكذا فكما جاد لحبيبه بنفسه، فإنَّه أهل أن يجاد عليه، بأن يكون ربه سبحانه هو حظه ونصيبه، عوضًا عن كل شيء، جزاءً وفاقًا، فإنَّ الجزاء من جنس العمل.

فالعبد لا يزال رابحًا على ربه أفضل مما قدم له، وهذا المتقرب بقلبه وروحه وعمله يفتح عليه ربه بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة، بل حياة من ليس كذلك بالنسبة إلى حياته، كحياة الجنين في بطن أمه بالنسبة إلى حياة أهل الدنيا ولذتهم فيها، بل أعظم من ذلك [1] .

المطلب الثاني: تنعيم القلب وتنويره وإدخال السرور عليه والطمأنية والراحة واللذة.

وهذا الأمر يشمل كل صلاة، والعاقل من يغتنم الزيادة ولا يفوت عليه ربحًا، فمن حافظ على النوافل واستكثر منها ازداد راحة وطمأنينة وسعادة وسرورًا ونورًا، إذ هَلْ

(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 254) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت