الربوبية وذل العبودية؛ فكان التقرب بذلك أعظم العمل، والذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة، ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة فيجازى بالمحبة التي هي غاية مطلوب من يتقرب بخدمته [1] .
ويُؤْخَذ مِنْ قَوْله - عز وجل: (( مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ) ): أَنَّ النَّافِلَة لا تُقَدَّمُ عَلَى الْفَرِيضَة، لأَنَّ النَّافِلَة إِنَّمَا سُمِّيَتْ نَافِلَةً؛ لأَنَّهَا تَأْتِي زَائِدَةً عَلَى الْفَرِيضَةِ، فَمَا لَمْ تُؤَدَّ الْفَرِيضَةُ لا تَحْصُلُ النَّافِلَةُ، وَمَنْ أَدَّى الْفَرْضَ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ النَّفْل وَأَدَامَ ذَلِكَ تَحَقَّقَتْ مِنْهُ إِرَادَةُ التَّقَرُّبِ.
وَأَيْضًا: فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ التَّقَرُّبَ يَكُون غَالِبًا بِغَيْرِ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُتَقَرِّب، كَالْهَدِيَّةِ وَالتُّحْفَة بِخِلافِ مَنْ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ [2] .
ومما يدل كذلك على أنَّ النوافل تزيد العبد قربًا من الله - عز وجل - وحبًا ومحبة: ما رواه الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال النبي 4: (( يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه: ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ: ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر: تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا: تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي: أتيته هرولة ) ) [3] .
فذكر في هذا الحديث العظيم من مراتب القرب ثلاثة، ونبَّه بها على ما دونها وما فوقها.
فذكر تقرب العبد إليه بالشبر، وتقربه سبحانه إلى العبد ذراعًا، فإذا ذاق العبد حقيقة هذا التقرب: انتقل منه إلى تقرب الذراع، فيجد ذوق تقرب الرب إليه باعًا.
(1) فتح الباري لابن حجر (11/ 343) .
(2) المصدر السابق.
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم: (10976) ، (16/ 573) ، وقال الأرنؤوط: (( إسناده صحيح ) ).