ثم شبّه في الوجوب فقال: (كبعث الحشر) أي كبعث الله جميع الخلائق من قبورهم للحشر والحساب. يعني أنه مما يجب الإيمان به البعث والحشر بأن يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد بحيث يُسمِعهم الداعي ويُنفِذهم البصرَ، فيسألهم تعالى عن أعمالهم - وهو العالم بجميع أحوالهم - ويحاسبهم عليها ولا يظلم ربك أحدا.
بعد اشتداد الأمر والتجاء الخلق واضطرارهم وعظم الأهوال وخطرها، تدنو الشمس من رؤوسهم حتى لو تناولها أحد لنالها، ويكثر العرق ويشتد الزحام وتبلغ القلوب الحناجر من شدة الكروب وعظم الخطوب، حتى إن بعض أهل المحشر يقول: يا ربنا أرحنا ولو إلى النار. فيترددون على الأنبياء للشفاعة فكل واحد يمتنع ويعتذر حتى يأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيقول: أنا لها، أنا لها. فيأتي تحت العرش فيسجد سجدة فيسمع النداء: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، واشفع تشفع واسأل تعطى. فيشفع - صلى الله عليه وسلم - في أهل المحشر جميعا وهذه هي الشفاعة العظمى لإراحة الخلق، وهو المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون [1] .
(1) حديث الشفاعة أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وجوه يومئذ} ؛ ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.