وَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ, وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ, إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا, إِمْكَانَ (1) الإِرْسَالَ فِيهِ, لَزِمَهُ تَرْكُ الاِحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلِهِ بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ, إِلاَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ, لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الأَخْبَارَ أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ (2) تَارَاتٌ يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا, وَلاَ يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ, وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا, فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا, فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا, وَبِالصُّعُودِ (3) إِنْ صَعِدُوا, كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ.
وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ, وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا, مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ, وَابْنِ عَوْنٍ, وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ, وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ, وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ, وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ, وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ, فَتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الأَسَانِيدِ, كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ.
وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ, إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ, وَشُهِرَ بِهِ, فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ, وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَيْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ.
(1) في حاشية الطبعة التركية (1/25) : في نسخة: «لمكان الإرسال فيه» .
(2) في حاشية الطبعة التركية (1/25) : في نسخة: «أنه كانت لهم» .
(3) في حاشية الطبعة التركية (1/26) : في نسخة: «وبالصعود فيه» .